حضور المثقف، في مناسبة ما، ليست مسألة شكلية، يلبي فيها الدعوة، لتقوم وسائل الإعلام بنقلها على طريقتها، لتظهره، شاعراً أو كاتباً أو أديباً أو فناناً أو....، أو أياً ممن جرى العرف على إدراجهم ضمن فئة المثقفين، في لقطة تلفزيونية أخرجت بعناية لخدمة غرض سياسي معين. فحضور كهذا، يفقد المثقف وهجه ورهافته، ويبعده عن رسالته الحقيقية، خاصة في ظل أوضاع متردية تعاني منها القيم الإنسانية الكثير.
العديد من الناس، وربما بعض المهمين منهم، تصنعهم مناسبات معينة، في ظروف خاصة، وقد يفقدوا هذه الأهمية بسرعة، حين تتغير الظروف. إلا أن المثقف، ليس كذلك، فهو صانع المناسبات والمحور المحرك في القضايا الكبيرة، التي تخص الإنسان وتتعلق بآدميته، قبل أن تتعلق بأي شأن آخر، خاصة في المراحل الحاسمة من حياة الشعوب.
الثقافة، حالة إنسانية خاصة، تجتمع في أطرها مقومات التكوين الاجتماعي والنفسي والتاريخي للفرد، وتندغم في هذه التكوينات، عناصر نهوض حضارية، يصنع منها المثقف مواقف متميزة ذات طابع ريادي، ويتخذ منها سلاحاً ماضياً، وأداة تغيير قوية، تختزن الماضي رصيداً لبناء مستقبل جديد، الإنسان هو العنوان الأهم فيه.
فالمثقف يستمد مكانته المتميزة في المجتمع، ويكتسب قدرته على التأثير فيه، من قوة الأفكار التي تتطلع نحو المستقبل. ففي سلوكه وطروحاته، يكمن هاجس إنساني قوي، يحركه نحو الخير، ونحو الحق، ونحو الفضيلة، ونحو التقدم، بعيداً عن الطمع في مكسب مادي، أو موقع وظيفي، أو وجاهة اجتماعية.
وإذا كانت المجتمعات الغربية الديمقراطية قد وصلت في سلم التطور، إلى ما وصلت إليه من رصيد كبير في مجال حقوق الإنسان، وهو في الحقيقة رصيد لها الحق كل الحق أن تفخر به، فذلك لأن الإنسان المثقف له وجود حي في تلك المجتمعات يرى أن رسالته في الحياة لا تتم من غير التواصل المستمر مع الأحداث، بصوته المدوي ويراعه الثري وجرأته في قول الحق. فالديمقراطية الحقيقية، حين انعكست آثارها على الفرد، في تلك المجتمعات، انعكست قبل أي شيء آخر، على مستوى الحقوق والحريات والاحترام الذي حظي بها الفرد.
فالديمقراطية ليست غير منهج يتمتع الإنسان وفق سياقاته بحقوقه وحريته، وتصان كبرياءه وكرامته، وخلافاً لذلك يصبح الحديث عنها شركاً لاصطياد البسطاء من الناس.
في هذا السياق، لا مفر من الإشارة إلى التقرير الأحدث، الذي نشرته منظمة العفو الدولية، عن سجل حقوق الإنسان، في الإقليم الكردي شمال العراق، ووصفها له بأنه سجل مريع. ولكي لا نبتعد عن الموضوعية، ولكي لا نتبنى نظرة مجتزأة، تخدم أهدافاً سياسية لبعض الجهات، لا بد من الإشارة إلى أن هذا التقرير، بالقدر الذي يدين فيه الإدارة الكردية لممارساتها أو على الأقل لسكوتها على ما يجري في الإقليم من انتهاكات فظة لحقوق الإنسان، يدين كذلك السلطة المركزية في بغداد التي تعتبر مسؤولة دستورياً عن ضمان حق كل مواطن عراقي في شمال العراق أو في جنوبه في شرقه أو في غربه.
إذ أن حالة حقوق الإنسان في معظم سجون ومعتقلات العراق ليست بعيدة عن التطابق مع معايير الإدانة. إلا أن سلطات إقليم كردستان قد تتحمل مسؤولية أكبر سيما وأن المسؤولين فيه يكرروا في كل مناسبة بأنهم قد نجحوا في بناء تجربة ديمقراطية على مدى الثماني عشرة سنة التي مضت.
الخوض في التفاصيل التي أوردها هذا التقرير، أو التي أوردتها تقارير أخرى، عن مناطق أخرى من العراق، يُدخل المُتابع لهذا الموضوع في فضاءات الألم: عشرات الآلاف في السجون الأميركية والعراقية، شباب قُصر خلف القضبان، جروح غائرة في مختلف أعضاء الجسم، وجروح أعمق في النفوس، انتهاكات لا حصر لها نفسية وأخلاقية يندى لها الجبين، معتقلات لا تصلح لإيواء البشر، مسؤولون لا يعرفون حقوق الإنسان المعتقل، محققون لا يعرفون صلاحياتهم القانونية، مروءات غائبة وضمائر قد اختفت أو ماتت، فضاء يتطاير فيه السباب وتُخدش الأسماع بالكلمات النابية، نفوس ضعيفة تساوم المعتقل وتبتز أقاربه.
من المفارقة حقاً، أن تجري كل هذه الرزايا في العراق، ولديه وزارتا حقوق الإنسان، أحداهما في بغداد، والأخرى في أربيل، ولديه كذلك، وزارتا ثقافة، إحداهما في بغداد، والأخرى في أربيل، ولديه لجنتان في مجلس النواب، إحداهما لحقوق الإنسان، والأخرى للثقافة، ولديه دستور يتكلم بفم ملئان عن حقوق الإنسان. ومما يضاعف من حجم المفارقة، التصريحات الرنانة، التي يدلي بها مسؤولون عراقيون، وآخرون أميركيون عن البناء الديمقراطي وإرساء حقوق الإنسان في استغفال أبله للعقول.
الديمقراطية ليست عناوين يتم تداولها في الصالونات، أو بضاعة يتكسب بها هذا الفرد أو هذا الحزب، وهي ليست إطاراً شرعياً لتوريث النفوذ والسلطة لأفراد العائلة والمقربون، وليست وسيلة لسرقة المال العام والإثراء على حساب جوع ومعاناة السواد الأعظم من الناس، وليست وسيلة لصعود من لا يمتلك كفاءة إلى مراكز مهمة، وليست وسيلة لتصفية الحسابات مع الغير، وإشباع رغبة الانتقام.
الإنسان، حريته وحقوقه وفكره وسعادته، حاضره ومستقبله، هو جوهر الديمقراطية، وهو كذلك جوهر الرسالة التي يحملها المثقف في الحياة.
وإذا كان خلو الهياكل الرسمية العراقية، للثقافة ولحقوق الإنسان، من الروح، مدعاة للأسف والتساؤل، فإن من المحزن حقاً، أن نلحظ غياب المثقف ونرصد صمت الأوساط الثقافية العراقية إزاء ما حدث ويحدث من خروقات فظة لحقوق الإنسان. إلا أن لنا عزاءً وتقريعاً في الوقت نفسه في أن المنظمات الدولية لا تزال حية لم تغمض عيونها ولم تصم آذانها ولم تكمم أفواهها.
كاتب عراقي