رغم التصريحات المتكررة من الإدارة الأميركية ومن قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالرغبة في تحسين وتطوير التعاون بين الناتو وروسيا، ورغم الحاجة الملحة لدى الحلف لتعاون روسيا معه في أفغانستان، إلا أن هناك داخل قيادة الحلف من الصقور المحافظين من هم ضد هذا التقارب من الذين يرون في روسيا العدو الأكبر للحلف باعتبارها القوة الموازية على الساحة الدولية لقوة الناتو، وهؤلاء لا يريدون الوفاق والتفاهم مع روسيا.

بل ان منهم من يحذر وبشدة من تعاون روسيا مع الحلف في أفغانستان ويقول انها خدعة من «بوتين» لتوريط الحلف وواشنطن في حرب شبيهة بفيتنام، وفي إطار عدم الثقة هذا ينوي هؤلاء الصقور قريباً إجراء المناورات العسكرية المشتركة مع جورجيا متناسين أنها كانت في حرب مع روسيا في أغسطس الماضي، وأن الأحوال بينها وبين روسيا مازالت متوترة على الحدود، وأن هناك قوات دولية للمراقبة على الحدود خشية اندلاع النزاع مرة ثانية، فهل يمكن في هذا المناخ إجراء مناورات عسكرية؟

الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف وصف هذا الأمر بالاستفزاز السافر الذي سيعود بآثار سلبية على العلاقات بين روسيا والحلف ولن يساعد على التقارب بين روسيا والولايات المتحدة ويهدد بوقوع تعقيدات في العلاقات الثنائية بين البلدين، وقال ميدفيديف «لا يجوز إقامة مناورات في مكان شهد حرباً منذ مدة»، وحذر من أن روسيا ستتابع باهتمام بالغ ما يجري في جورجيا، وستتخذ قرارات إذا اقتضت الضرورة ذلك.

كما أعلن سيرغي لافروف.

وزير الخارجية الروسي أن قرار حلف الناتو بإجراء مناوراته وتدريباته في جورجيا لن يساعد على استئناف الاتصالات الكاملة بين روسيا والحلف، وقال لافروف إن روسيا تقف إلى جانب ضرورة العمل المشترك مع الناتو وذلك على أساس متكافئ، غير أنه يوجد لدى موسكو الكثير من الأسئلة للحلف في ضوء قراراته الأخيرة بالنسبة لروسيا.

من جانبه يؤكد حلف شمال الأطلسي أنه يواصل الاستعدادات لتدريباته العسكرية في جورجيا على الرغم من احتجاجات موسكو ومقاطعتها لاجتماع مجلس «روسيا ـ الناتو» على مستوى رؤساء هيئات الأركان العامة المقرر عقده في السابع من مايو. ويقول الحلف إن هذه المناورات عبارة عن تدريبات عسكرية وستجرى من دون استخدام السلاح والمعدات الحربية.

وكانت روسيا قد وقعت اتفاقيتين مع جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لحراسة الحدود واتفاقيات أخرى في مجالات التعاون الأمني والعسكري، وهذا الأمر يعني أن القوات العسكرية الروسية ستكون على الحدود في مواجهة جورجيا تحسباً لأي تصرفات «طائشة» من نظام الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي الذي لم يتعظ من درس حرب الصيف الماضي ومازال يحلم بخوض المغامرة مرة أخرى مع الجيش الروسي.

الواقع أن ساكاشفيلي أصبح كرئيس في مهب الريح، ويشعر أن نهاية نظامه قد اقتربت وأنه سيغادر الرئاسة قريباً، خاصة وأن المعارضة مازالت محتشدة في شوارع العاصمة تبليسي مصممة على استقالته، وفي واشنطن يعتبر ساكاشفيلي ورقة محروقة انتهت صلاحيتها، ويعدون له البديل، سواء رئيسة البرلمان نينو بورجاندزة، أو مندوب جورجيا السابق في الأمم المتحدة إيراكل ألانسيا، وكلاهما من حلفاء واشنطن، لكنهما ربما يتميزان عن ساكاشفيلي بأنهما لن يخوضا مغامرة الحرب مع روسيا، وقد صرحا بذلك في الأيام الماضية.

أما روسيا فعلى ما يبدو أن صبرها على ساكاشفيلي لن يطول، وأنه تحشد قوتها الآن داخل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية استعداداً لتوجيه ضربة قوية لساكشفيلي وجيشه، ولن ينفعه حلف الناتو، ولن يدعمه البيت البيض وسيتركه يذهب ضحية طيشه، كما أن الأوروبيين لن يقفوا معه بعد أن حذروه من قبل من التحرش بروسيا.

أياً كان الأمر فإن المنطقة معرضة لتوترات أخرى قادمة وهناك في حلف الناتو وأيضاً في إدارة الرئيس أوباما من ينفخ في الرماد ليشعل النار من جديد في منطقة القوقاز.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru