أعلنت الحكومة العراقية عن اعتقال أبو عمر البغدادي زعيم تنظيم القاعدة في العراق، واعتبرت عملية اعتقاله «نوعية تمثل انتصاراً جديداً للقوات الأمنية ورداً حاسماً على فلول الإرهاب وإعلاناً لهزيمة القاعدة وكل عصابات الجريمة». وهناك اعتقاد بأن البغدادي هو القائد العراقي لتنظيم «القاعدة» مقابل قيادة عربية فعلية يتزعمها أبو حمزة المهاجر.
وأفادت معلومات أولية عن الشخصية المعتقلة انه حامد الزاوي، الضابط السابق في قوات الأمن العراقية خلال حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وأنه اعترف بأن مناطق محيط بغداد الشمالية تضم العدد الأكبر من عناصر «القاعدة» والانتحاريين.
والحاصل أن المنطقة العربية شهدت تطورات نوعية على صعيد علاقة تنظيم القاعدة بالأنظمة العربية، ففي الوقت الذي زعمت فيه أنظمة أنها استطاعت أن تقلل من عمليات التنظيم في دولها، رأى خبراء عرب وأجانب أن انخفاض عدد العمليات نتج عن ذهاب كوادر التنظيم في العديد من الدول على رأسها الجزائر من أجل الجهاد ضد الاحتلال الأميركي للعراق.
وهو الأمر الذي كان تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية يتوقعه ويسعى إليه، وأعطاه كأحد مبررات الغزو الاميركي للعراق، ولكن تصور أنصار هذا التيار أن جمع عناصر القاعدة في بلد واحد هو العراق سيكون فرصة لكي تتخلص منهم الولايات المتحدة دفعة واحدة، تنهي بذلك الحرب ضد الإرهاب التي كانت تشنها ضد القاعدة في هذا الوقت.
ولكن ما حدث هو أن تجمعت عناصر القاعدة بالفعل في العراق، وكان ذلك لعدة أسباب منها أن الفوضى التي عمت العراق كانت مناسبة جدا لكي تكون مأوى لعناصر القاعدة المطاردين بواسطة أنظمتهم، اي أن العناصر ذهبت إلى هناك من أجل الفرار أولا ثم من أجل الجهاد ضد الاحتلال الأميركي ثانيا.
والذي يؤكد خطا التحليل الاساسي للمحافظين الجدد أن عناصر القاعدة تجمعوا ولكن الولايات المتحدة لم تستطع القضاء على التنظيم، بل أنهم سببوا حرجا بالغا للقوات الأميركية في العراق وزادوا من الفوضى التي تجتاح العراق الأمر الذي أدى في النهاية إلى تداعيات داخلية أميركية تمثلت في رحيل المحافظين الجدد عن مراكز صنع القرار في واشنطن. واضطر الولايات المتحدة لان تتخذ خطوات في العراق لم تكن ترغب فيها مثل فتح حوارات سرية مع بقايا البعثيين في العراق وحوارات أخرى مع قوى سنية سلفية تناصب القاعدة العداء.
والأمر الجدير بالإشارة هو أنه مع مقتل زعيم القاعدة السابق في العراق أبو مصعب الزرقاوي، زعمت قوات الاحتلال والحكومة العراقية أنهما أصابا تنظيم القاعدة في مقتل، وتصور الكثيرون أن قوة القاعدة ستضعف فى العراق ولكن ما حدث هو عكس ذلك تماما.
حيث أصبحت العمليات الانتحارية التي ينفذها عناصر التنظيم أقوى وأشد وأكثر قسوة بالنسبة للاحتلال الأميركي، وبالتالي فإن القبض على الزعيم الجديد للقاعدة لن يكون بمثابة خاتمة لعمليات التنظيم، بل يمكن أن يكون مقدمة لنقلة نوعية أخرى تكون أكثر إيلاما للاحتلال الأميركي وأكثر إزعاجا للحكومة العراقية.
وهو الأمر الذي يمكن معرفته بعد فترة من الزمن وليس الآن. والأمر الوحيد المفيد لكل من الحكومة العراقية وقوات الاحتلال الأميركية هو المعلومات التي سوف تستطيع أن تستقيها من زعيم القاعدة المعتقل ونعتقد أنه لن يعطيها أي معلومات مؤثرة، لكنها سوف تسرب معلومات غير دقيقة على أنها استقت معلومات منه من باب الحرب النفسية ضد عناصر التنظيم.
وهناك احتمالان فيما يخص تنظيم القاعدة في العراق أو كما يطلق عليه تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، الأول هو أن يشتد عزم التنظيم مع القيادة الجديدة ويصبح أكثر قوة ويزيد من قوته روح الانتقام التي ستصيب عناصر التنظيم من جراء اعتقال زعيمهم، وهذا الأمر يتوقف على القيادة الجديدة للتنظيم في العراق.
أما الاحتمال الثاني فهو أن يضعف التنظيم وفي هذه الحالة سيكون أمام عناصر التنظيم سيناريوهين الأول أن يذهبوا إلى أي من باكستان أو أفغانستان ويقاتلوا مع عناصر حركة طالبان هناك سواء ضد الحكومة الباكستانية أم ضد القوات الأميركية في أفغانستان.
والثاني هو أن يعودوا إلى دولهم الأصلية، وفي هذه الحالة سيشتد عود التنظيمات الفرعية للقاعدة وعلى رأسها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهو الأمر الذي يعني أن الإرهاب العالمي يمكن أن يشهد نقلة نوعية لا تستطيع معظم دول العالم أن تواجهه في الوقت الراهن لأن معظمها غير مستعد له حاليا.
وكل ذلك يعني أن مستقبل تنظيم القاعدة وأيضا مستقبل العنف الذي يمارس عن طريق منظمات إسلامية أصولية متشددة أصبح متوقفا على ما يحدث في العراق من تطورات، ذلك أن جزءا كبيرا من عناصر التنظيم أصبح متركزا هناك وبني التنظيم استراتيجيته على مواجهة الولايات المتحدة في حرب مقدسة، من وجهة نظر أعضائه بالطبع، في العراق.
وأي تطور يحدث في العراق بشان التنظيم سلبا أم إيجابا سيكون هو حجر الزاوية في المرحلة المقبلة من تطوره. وبالتالي فان اعتقال البغدادي سيكون علامة فارقة ليس فيما يتعلق بعمليات القاعدة في العراق فقط ولكن فيما يتعلق بالعمليات الإرهابية العالمية برمتها.
كاتب مصري
