كنا نقول بالأمس إن على رأس مسببات الأمراض الخطيرة التي بدت تطفو على السطح الاغذية المعروضة لدينا، القاريء ابو محمد يسأل: لماذا لا تستثمر الدولة في الاراضي الزراعية الخصبة الوفيرة في البلدان من السودان والأردن وبلاد الشام وبإشراف مباشر يضمن عدم تلوث المحاصيل الزراعية بالمبيدات والكيماويات الزائدة؟
يا أبا محمد طرحت مشاريع من هذا النوع، خصوصا يوم جُن جنون اسعار الارز واختفى من الاسواق، لكن يبدو ان بوصلتنا ما زالت عالقة، وتحتاج إلى من يدفعها قليلا باتجاه الوجهة الصحيحة.. وحينما تتوازن البوصلة سيصبح من السهل أن نجلب خضارنا وفواكهنا بأنفسنا ومن الاراضي التي نختار وبإشرافنا التام مئة بالمئة، ولسببين بسيطين:
أولا: نحنا محبوبون من كل شعوب العالم، والكل أكيد سيرحب بنا.
وثانيا: اننا سنفتح باب خير من خلال هذه المشاريع التي سيعمل فيها الآلاف من مواطني تلك البلدان. هذا التوجه موجود وعلى الطاولة، لكن القضية الأساس، هي قضية معدلات الأمراض التي يصفعنا بها الاطباء كل يوم، الامر الذي يقتضي منا حراكا، فكون الاطباء يحذروننا من تلك المعدلات ونسبة انتشارها بيننا لا يعني أننا انتهينا من الأمر، ففي مثل هذه الحالات لا يمكن الركون إلى حملات توعية فقط، بل يفترض النزول إلى الميدان واجتثاث المسببات من جذورها..
أقل ما يمكن التفكير فيه هو النظر وببساطة إلى وضع بيع الخضراوات والفواكه في المحلات، إذا ما استثنينا الجمعيات التعاونية وأسواق المراكز التجارية والسوبرماركتات الكبيرة والشهيرة، فحالها في البقالات والدكاكين المتناثرة هنا وهناك يكفي لمعرفة مصيرها من الملوثات والعطب، حتى «شبرات الخضرة» التي تكوم هذه الأغذية في العراء..
هذا شيء بسيط من كثير من الأخطاء.. بالنظر إلى أساليب تعامل الأسواق مع المواد الغذائية، وبالنظر إلى أساليب النقل التي يختلط فيها الحابل بالنابل، فالجميع ينقل، وفي أي سيارة، والجميع يعرض وفي أي علب وأكياس!! هذا فضلا عن الغش، وعن البيوت التي تضبط فيها ممارسات الخداع وتغيير المصدر والتلاعب بالكميات، وفضلا عن التخزين الذي عليه مليون علامة استفهام.
هذا لا ينفي الجهود التي تقوم بها أقسام الصحة في البلديات على مستوى الدولة، لكن يبدو أن الجهود نفسها صغيرة على الحجم الكبير من الأخطاء المتراكمة في اسواقنا.. سنقول ان جزءا من اعباء السلامة الصحية يتحملها الفرد نفسه، وسنقول ايضا ان الجزء الاكبر يقع على درجة الانضباط في الأسواق. معدلات الامراض الخطرة، ليس عنوانا يكفي لحصر المسألة، بل مواجهة هذه المعدلات يحتاج إلى جهود كبيرة تضاف إلى جهود الجهات الصحية.. فخراب الأسواق متعدد الجوانب.
