تحولت الأزمة الاقتصادية في العالم برمته من موضوع أولي إلى أمر ثانوي بعد أن شغلت الأفراد صغار وكبارا والمؤسسات والدول بل حتى سكان الكواكب الأخرى. وكان أساس هذه الأزمة الإنسان في سوء تعامله مع نفسه وغيره من البشر وجريه خلف الربح بأي ثمن كان حتى ولو لم يكن في حاجة إلى ملايين إضافية أخرى.
وما كاد ينسى غصة الأزمة الاقتصادية حتى صحا العالم في اليوم التالي أمام أزمة جديدة يبدو أنها في هذه المرة أكثر خطورة بكثير وتهدد حياته بطريقة مباشرة (تأكيدا على مقولة أن المصائب لا تأتي فرادى).
والأزمة الحالية سببها هذه المرة الحيوان. وفي حين أن الأزمة الاقتصادية يمكن التعافي منها ولو بعد مئة سنة (وفق دراسات الاقتصاديين)، إلا أن الأزمة الحالية يبدو أن علاجها خارج إطار حيلة العلماء والأطباء والبياطرة، وانتشارها يشبه انتشار النار في الحطيم.
لقد طلب رئيس المكسيك ـ من حيث خرج هذا الوباء ـ من شعبه البقاء في منازلهم لمدة خمسة أيام. ولا نعلم إن كان قراره هذا صدر بأمر من وزارة الداخلية (أم العيال)؟
بالطبع، هو طلب طبيعي للحد من انتشاره وليس لإلغائه (القرار متأخر بعض الشيء). حيث أنه ينتقل هذه المرة مباشرة من الإنسان للإنسان. ويكفي منك يا اخي (عطسة) غير مقصودة في وجه أخيك قبل (السلام عليكم) أن تقتله بعد يومين (كيف تحول العطس إلى أداة قتل؟).
وإذا كان السبيل الوحيد لعلاج أنفلونزا الخنازير (بعد جنون البقر وانفلونزا الطيور وأيدز القرود) هو البقاء في البيوت، وأن جميع الدول سوف تتخذ قرارا بإخلاء شوارع المدن وإعلان حالة الطوارئ فإن المسألة سوف ينتج عنها تعاظم الأزمة الاقتصادية من جديد. فأول نتائج البقاء في المنازل هو توقف العمل في كافة المجالات وتوقف المصانع والمصارف والشركات والمؤسسات. ونحن (مش ناقصين أزمة اقتصادية أكتر من كده).
ثم أن خمسة أيام ليست كافية لإلغاء المرض وإنما فقط وقف انتشاره. وبالتالي، يجب أن يكون هناك من هو مستعد للذهاب خارج إطار بيته لإعدام كافة الخنازير الموبوءة وغير الموبوءة حتى لا يعود المرض مرة أخرى (وهي خسارة كبيرة لتجار أسهم الخنازير). ثم أن البقاء في المنازل يعني أن الخنازير سوف تتناقل المرض بدون رقابة.
وربما تموت كلها إلا واحدا. وهذه أزمة اقتصادية أخرى. فالخنازير المحرمة في الدين الإسلامي تعتبر من أكثر اللحوم شهية لدى البشر، لأنه فيما يبدو طيب المذاق ـ رغم أنه يقتات على القاذورات ـ وطري وأنه في النهاية أقرب في تكوينه البيولوجي إلى الإنسان. وربما لحرمة أكل لحم البشر ماديا (حيث يمكن أكل لحمه أدبيا) اتجه بعض البشر لإشباع غريزة أكل لحوم البشر لديهم أو ما يطلق عليه الكانيباليسم بالتلذذ بأكل لحوم الخنازير.
غير أن العديد من الأسر في العالم رأت في أنفلونزا الخنازير ـ في حالة جلوس الأفراد في بيوتهم ـ فرصة للالتقاء والتحدث والمناقشة والتعرف على بعضهم البعض. وكلنا يعلم ـ سواء في الشرق أو الغرب ـ بأن واجب العمل والالتزام بالدوام الرسمي وزيادة الأعباء المالية نتيجة انتشار وباء الأزمة الاقتصادية في العالم دعت الكثير من الرجال والنساء والآباء والأمهات إلى الاجتهاد المضاعف والتغيب عن منازلهم لساعات طويلة وبالتالي الابتعاد عن أسرهم، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولضمان المستقبل، وتفادي استلام قرار الإقالة، أو في حالة الإقالة الإجبارية الذهاب بهدف البحث عن فرصة عمل أخرى.
وهناك نسبة نادرا ما تجد متعة في الجلوس في البيت والاجتماع مع العائلة، فنجدهم يكملون وقت ما بعد الدوام الرسمي إلى نهاية السهرة في صحبة علان وفلتان. وهكذا تفككت الأسر والعائلات وانقطع الود بينهم وضعفت أخلاق الأبناء وتحصيلهم العلمي بسبب غياب الأب الذي شجع بدوره غياب الأم (وليش أنا ما أطلع؟). فتصور البعض بأن تفشي انفلونزا الخنازير قد يكون له أيضا جانب إيجابي، فهي فرصة لالتقاء أفراد العائلة الواحدة على طاولة الوجبات اليومية الثلاث.
(شريطة القيام المسبق بتخزين المؤن الضرورية وبدون لحم خنازير). البعض الآخر رأى في هذا الحل فرجا للأزمة الاقتصادية. فتوقف سوق الأسهم لفترة خمسة أيام قد يساعد على انتعاشه بعد ذلك.
وسوف تكون أيضا فرصة لأرباب العمل والمصانع من الجلوس لوضع حل عملي لأزمة مصانعهم ومؤسساتهم، كما يطمئن الموظف المهدد بأنه على الأقل سيبقى على رأس عمله لمدة خمسة أيام إضافية، ومن يعلم فلربما مات مدير مصنعه نتيجة إصابته بأنفلونزا الخنازير بعد أن خرج سليما من أنفلونزا الطيور قبل عامين ونجى الموظف المغلوب على أمره من الطرد! أما صاحب الدخل المتواضع فرأى في ذلك فرصة لتقليل المشتريات غير الضرورية.
لكن أكثر الفرحين بهذا المرض هي الدول المستضعفة التي تنتظر الهجوم عليها من قبل دول أعظم منها قوة. فالحروب سوف تتوقف (ما عدا في أفريقيا) لفترة بسيطة. فهناك على الأقل خمسة أيام لن يكون فيها هجوم بري أو بحري أو جوي مباغت، وفرصة لهم بالاستمرار في تخصيب اليورانيوم وتطوير مشاريعهم النووية. وليس أعظم من إنجاز في تاريخ البشرية من البقاء خمسة أيام في الأسبوع في المنازل دون حروب ومواجهات وانتهاكات لحقوق الإنسان.
المهم، وباء أنفلونزا الخنازير خرج من حدود المكسيك، ووصل إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا وآسيا وإسرائيل (وكأني أسمع بعضهم يقول شامتا: تستاهل) وفي كل يوم تسجل إصابات جديدة في كل مكان من العالم.
أما رجال الفضاء الذين يعملون منذ سنوات في المحطات المعلقة التي تسبح في الفضاء فقد وقعوا في ورطة؛ لقد أصبحوا مهددين بالموت بالتقاط عدوى أنفلونزا الخنازير إن هم عادوا مرة أخرى إلى الأرض! ففضلوا البقاء خارج الغلاف الجوي!
إنه المضحك المبكي! لقد فعلت بنا الخنازير فعلتها (القذرة)! وربما تكون نهاية البشر على أنوفهم!
جامعة الإمارات
