هكذا كان يسميها الآباء والأجداد، نعم وهي كانت بالفعل تستحق هذا اللقب وبجدارةئوذلك لروعة مناظرها وغنى طبيعتها بالخيرات، فكانت أشبه ببستان غني تحفها أشجار القرنفل والنارجيل والبرتقال والمانجو من كل ناحية، كان المتجول في أريافها كأنه يتنزه في بستان جميل المنظر تتدفق المياه العذبة في جميع أرجائها، هذا ما نقلته لنا كتب الذاكرة الشفهية التي دونت الكثير من ذكريات الآباء والأجداد عن هذه الجزر التي هي أقرب ما تكون للخيال والأسطورة الروائية مقارنة بتلك السنين العجاف التي كانت تعيشها منطقة الخليج قبل ظهور النفط المعجزة الذي حول الطرف المهمش إلى قلب نابض بالحياة تهفو إليه الأنظار وتشرئب له الأعناق وتتهافت عليه النفوس من كل حدب وصوب.

ئإنها زنجبار «جزيرة الأحلام» مجموعة من الجزر المتناثرة في أعماق المحيط الهندي وقبالة الساحل الشرقي لأفريقيا، تتبع اليوم دولة تنزانيا بعد انقلاب عسكري قام به الأفارقة في ستينيات القرن المنصرم معلنين فيه رسمياً إنهاء الوجود العربي في تلك الجزيرة، فالجزر كانت في السابق جزءاً من إمبراطورية عربية مترامية الأطراف أسسها العرب العمانيون على طول الساحل الشرقي لأفريقيا، وظلوا يحكمونها فترة طويلة من الزمن. ساهم وجودهم هناك .

بالإضافة إلى غنى المنطقة في جذب العديد من أهالي الخليج الذين آثروا السفر والاستقرار في تلك المناطق الأفريقية الساحرة، يصف السيد سالم بن سعيد السويدي، رحمه الله، في إحدى المقابلات الشفهية التي أجريت له وهو أحد أبناء الإمارات الذين أغرتهم طبيعة الحياة في زنجبار وقرر الهجرة في النصف الأول من القرن العشرين والاستقرار لفترة تقارب الأربعين عاماً، طبيعة الحياة في تلك الجزيرة فيقول: «أول ما شد انتباهنا ونحن نقترب من الميناء هو كثافة الحركة في الميناء.. كانت هناك سفن تجارية كثيرة تتبع لأهالي الخليج وكان عددها يزيد بنسبة تزيد عن رحلات تلك السفن إلى الهند وباكستان وإيران وغيرها من الدول.. فزنجبار كانت ميناء تجارياً هاماً لإفريقيا وبالتالي حركة التصدير والاستيراد فيها كانت على أشدها ..

وقد لعب عامل عروبة تلك المنطقة وانفتاحها للعرب دون أي قيود أو تعقيدات دوراً كبيراً في جذب أهالي الخليج». أما السيد محمد بن أحمد بن مطر السويدي فهو الآخر أحد أبناء الدولة الذين أمضوا في جزيرة الأحلام قرابة العشرين عاماً فيقول: «كانت سفن أهل الخليج التي تصطف على ميناء زنجبار يزيد عددها عن 350 سفينة.. وعادة ما تجلب هذه السفن وهي قادمة من الخليج الزوالي (السجاد العجمي) والعوال المجفف والسمك المملح..

وتنقل معها الحبوب والزيوت والنارجيل وخشب الجندل..». إن الهدف من سرد هذا الاستهلال التاريخي الشفهي إبراز عمق العلاقات التي ربطت بين الإمارات والخليج العربي بالقارة السمراء، فهي علاقات تاريخية موغلة في القدم وشملت جميع الجوانب التجارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فالطابع الأفريقي بارز في التراث الخليجي والحضور العربي لازال تاركاً بصمته في القارة الأفريقية.

تبحث اليوم دول الخليج بشكل عام ودولة الإمارات بشكل خاص عن حضور إقليمي فاعل في أفريقيا، ويتمثل هذا التوجه في التحرك الذي تشهده الدبلوماسية الخارجية الإماراتية في الفترة الأخيرة، حيث قام سمو الشيخ عبد الله بن زايد وزير خارجية دولة الإمارات بزيارات مكوكية إلى عدد من الدول الأفريقية شملت مالي، تشاد، بوركينا فاسو، كينيا، غانا ونيجيريا وغيرها.

حيث التقى بعددٍ من المسؤولين في تلك الدول معرباً لهم عن عزم الإمارات فتح نوافذ جديدة في توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين الجانبين، وقد كان سموه قبل قيامه بتلك الجولة الأفريقية قد أعلن عن نية الإمارات عقد شراكة استراتيجية مع أفريقيا مستنداً على قدرات الإمارات التي بدأت تفوق عمرها الاتحادي حيث أعلن عن ذلك رسمياً من خلال كلمة ألقاها في منتدى (الخليج وأفريقيا نحو تطوير شراكة استراتيجية) الذي عقده مركز الخليج للأبحاث في كيب تاون في فبراير الماضي.

ويمكن للمطلع على كلمة الإمارات في هذا المنتدى أن يلمح دوافع الإمارات في التحرك نحو أفريقيا، فالإمارات اليوم تتطلع إلى تحقيق شراكة إستراتيجية مع القارة السمراء خاصة عندما نعلم أن هذه الشراكة تنطلق من قواعد تاريخية مشتركة وقرب جغرافي، وعلاقات اقتصادية قوية حيث تجاوز حجم التجارة الخارجية غير النفطية مع أفريقيا 70مليار درهم في عام 2007 وهذا ما جعل أفريقيا تحتل المرتبة الثالثة بعد كل من آسيا ومنطقة المحيط الهادي وأوروبا، وهناك استثمارات إماراتية كبيرة في أفريقيا في مجال توسعة الموانئ وقطاعات السياحة والعقارات والبناء والاتصالات والأسواق المالية.

ولكن الإمارات اليوم تطمح إلى تعميق العلاقات مع أفريقيا بحيث لا ترتكز فقط على العلاقات الاقتصادية ،الإمارات اليوم تطمح إلى لعب دور عالمي وذلك من خلال مشاركتها في التحديات العالمية التي تواجه العالم كالقضايا المتعلقة بالأمن الغذائي والطاقة المتجددة والتعليم وغيرها من قضايا عالمية، وهي في سبيل ذلك تسعى لاستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة .

وقد أعلن عن ذلك سمو الشيخ عبد الله بن زايد خلال خطابه الذي ألقاه أمام المؤتمر التأسيسي للوكالة في بون بألمانيا، وفي حال نجحت مساعي الإمارات في ذلك فهي ستكون المرة الأولى التي تتخذ فيها منظمة دولية من الشرق الأوسط مقراً لها.

الإمارات لا يمكن لها أن تحقق طموحها العالمي والدولي دون وجود شركاء استراتيجيين يعملون على دعمها وتأييد مواقفها الدولية، ورأت في أفريقيا خير مكسب لتحقيق وزيادة وجود مثل هؤلاء الشركاء.

يبدو أن الإمارات قد ساقها الحنين إلى جزر الأحلام مرة أخرى، فلا زالت رائحة القرنفل تداعب الأنوف، ولازالت الأنغام الأفريقية تعزف على وتر العلاقات التاريخية والثقافية بين الطرفين، وكما قال نيلسون مانديلا حول طبيعة العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وأفريقيا: «كم هي عميقة وقديمة تلك الوشائج من المودة والمحبة بيننا التي نستطيع أن ننسج منها اليوم علاقات الحاضر».

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com