شهدت مدينة اسطنبول قبل فترة وجيزة انعقاد المنتدى الخامس للمياه. وتجدر الإشارة أولا إلى أن هذا المنتدى الذي كان مرتقبا منذ فترة طويلة وجد في انعقاده بتركيا قيمة رمزية كبيرة باعتبارها قوّة إقليمية مركزية في هذا الميدان. والموضوع الذي تمّت مناقشته هو «كيفية تجاوز الخلافات حول المياه». وهذا بدوره موضوع مركزي في منطقة أصبح شحّ المياه فيها حقيقة قائمة، كما تعرف تزايدا في المنافسات حول حجز واستخدام هذه المادة الحيوية الثمينة أكثر فأكثر.
إن إحدى الأوراق الرابحة التي تمتلكها تركيا بالتأكيد تتمثّل في مياهها الغزيرة على عكس دول الشرق الأوسط الأخرى. ففيها أوّلا سلسلة جبال طوروس البالغ طولها أكثر من 1000 كيلو متر والمغطاة عامة بالثلوج خلال فصل الشتاء، وهناك الأنهار التي تتواجد أحواضها المائية بالقرب من حدود الأناضول. ويتم وصف تركيا أنها «قصر مياه الشرق الأوسط».
إن تركيا واعية جيدا لأهمية مواردها المائية وهي تحاول أن تترجم هذا الامتياز إلى قوة اقتصادية ودبلوماسية. وكان الرئيس التركي الأسبق تورغوت اوزال قد تحدّث منذ نهاية عقد الثمانينات الماضي عن بناء «خط أنابيب مياه السلام» لنقل كميات كبيرة من المياه الصالحة للشرب من الأنهار التركية بما في ذلك من نهرا دجلة والفرات إلى منطقة الخليج لرفد تنميتها. لكن ذلك المشروع لم ير النور إذ لم توافق عليه بلدان المشرق خشية أن يتم استخدام تركيا لذلك كوسيلة ضغط سياسي آنذاك.
ومن المعروف أنه هناك منذ سنوات خلاف في الآراء بين تركيا وسوريا والعراق حول اقتسام مياه دجلة والفرات.هذان النهران ينبعان من شرق تركيا مما يعطيها وسيلة ضغط سياسي كبير ومكانة متفرّدة.
وكان المشروع المعروف باسم «مشروع جنوب شرق الأناضول» قد بلور التوترات بين البلدان المعنيّة. وهو يتمثّل منذ الشروع فيه عام 1992 ببناء 22 سدا على دجلة والفرات، من أشهرها ذلك المسمّى «أتاتورك». لقد قدّمت تركيا المشروع على أنه برنامج متكامل للمساهمة في تحديث منطقة جنوب شرق تركيا ونهوضها اقتصاديا.
المشروع لم يكتمل حتى الآن، لكن بعض التقديرات تدل على أنه سيؤدي عند اكتماله إلى تقليص منسوب المياه الطبيعي للفرات في سوريا والعراق بـ 70 بالمائة ولدجلة ب50 بالمائة.بكل الحالات إذا كانت هناك اتفاقيات تخص الفرات فإن الأمور لا تزال معلّقة بالنسبة لدجلة.
والتباينات السياسية تجد صداها في الخلافات القانونية فتركيا ترى مثلا أن الفرات نهر يعبر الحدود وبالتالي لا يخضع للقانون الدولي، الأمر الذي تعترض عليه كل من سوريا والعراق. هذا الاعتراضات لم تمنع توقيع عدّة اتفاقيات لضمان الحد الأدنى من منسوب المياه. لكن هذه الاتفاقيات لا تزال حتى اليوم ذات طابع ثنائي، بين تركيا وسوريا أو بين سوريا والعراق.
لكن يبدو أن تطورات جرت في الآونة الأخيرة لتجاوز تلك الثنائية. ففي شهر مارس الماضي جرى إنشاء «معهد للمياه» من قبل البلدان الثلاثة المعنية بحيث يكون هدفه الأول هو إنجاز تقارير ترمي إلى صياغة نصائح حول أفضل طريقة للاستخدام المشترك للثروات المائية في المنطقة. وبالتوازي أصبح من العادة أن يتم التطرّق لهذه المسائل خلال معظم الزيارات المتبادلة لقادة البلدان المعنية ؛ وهذا يمثّل تقدما في إدراك الرهانات المطروحة.
وكانت تركيا قد قامت من وجهة النظر هذه بعملية تأمّل حقيقي في سياستها المائية مؤكّدة إرادتها في تشجيع اقتسام عقلاني وعادل للمياه عبر الحوار والتنسيق. وكان المنتدى الخامس للمياه قد سارع في هذه المقاربة الجديدة وساهم في تعميقها، ذلك أن منظّميه قد قدّموا التعاون الوليد بين البلدان الثلاثة كحالة للدراسة فيها الكثير من العبر.
ولا يمكن إهمال واقع وجود تقارب بين هذه التطورات والتطوّر العام للدبلوماسية التركية في محيطها الشرق أوسطي. كانت تركيا تقوم سابقا برؤية وطنية محصورة جدا لمسألة إدارة ثرواتها المائية، لكنها فهمت أن تلك السياسة قد تكبح، بل قد تشكّل عقبة، أمام نفوذها الإقليمي.
والجميع يعرفون أهمية تركيا في المفاوضات غير المباشرة التي جرت بين سوريا وإسرائيل عام 2008، والتزام الحكومة التركية في إدانتها الحازمة للعدوان الإسرائيلي على غزّة، والطاقة التي بذلها رئيس وزرائها للمساهمة في الوصول إلى وقف أطلاق النار، والدور الذي يمكن لتركيا أن تلعبه في تهدئة التوترات حيال إيران. أن التقدّم في سبيل إدارة أفضل للموارد المائية يمكن أن يساهم في تعزيز الدور الإقليمي لتركيا.
وإذا كانت الدول العربية في الشرق الأوسط تريد إبعاد طيف «حروب المياه» فإنه من مصلحتها إقامة سوق مشترك للموارد المائية في أسرع وقت ممكن.
وتركيا هي بحاجة إلى جيرانها كي تبيع بأفضل الأسعار القادرة على المنافسة المياه التي تمتلكها كي لا تذهب هدرا وكي تسترد كلفة السدود. إن فكرة القيام بأعمال مائية كبرى كقاعدة للتعاون الإقليمي هي بالتأكيد فكرة طموحة، لكنها ستفرض نفسها في السنوات القادمة كضرورة حيوية.
كاتب فرنسي