بعد ثلاث سنوات من المباحثات والمد والجزر بين إلحاح إسرائيلي ورفض روسي تدخلت تركيا مؤخرا منذ أيام لإقناع روسيا بتصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل، وكانت شركة غاز بروم الروسية ترفض منذ البداية هذا الأمر لأسباب فنية وتجارية بحتة.
حيث يستلزم الأمر مد خط أنابيب مخصوص من تركيا لإسرائيل، وهناك خط أنابيب يأتي من روسيا عبر قاع البحر الأسود لتركيا، ويسمى خط «التيار الأزرق» وهو خط قديم منذ بداية التسعينات، وطاقة هذا الخط محدودة لتغطية السوق التركية فقط، وعندما اقترحت إسرائيل على الشركة الروسية مد فرع من خط التيار الأزرق إلى إسرائيل رأت الشركة الروسية أن هذا الأمر غير مجد ومكلف للغاية، خاصة وأن الأنبوب الذي سيصل لإسرائيل سوف ينتهي عندها ولن يمتد منها إلى أي مكان في العالم نظرا للظروف السياسية والأمنية بين إسرائيل وجيرانها من العرب، ولهذا فإن عائد الغاز الذي ستستلمه إسرائيل لن يغطي تكلفة هذا الخط الجديد إلا بعد سنوات طويلة.
في الثالث من أبريل أعلن رئيس شركة غاز بروم الروسية أليكسي ميللر أثناء زيارته لتركيا أن الشركة وافقت على مد خط التيار الأزرق من تركيا إلى إسرائيل، وذلك بعد تدخل أنقرة بالوساطة في المسألة وطرحها مستجدات جعلت الجانب الروسي يوافق على المشروع.
ومن أهم هذه المستجدات أن تركيا وافقت من جانبها على تجميد مشاركتها في مشروع خط أنابيب الغاز المسمى «نابوكو» والذي ترعاه الولايات المتحدة الأميركية لنقل غاز بحر قزوين إلى أوروبا عبر خطوط لا تمر في الأراضي الروسية، وذلك بهدف كسر احتكار روسيا لتصدير الغاز للأسواق الأوروبية التي بشغل فيها الغاز الروسي نسبة تفوق 60% من واردات أوروبا من الغاز، وهو الأمر الذي يزعج واشنطن كثيرا لأنه يفتح المجال أمام روسيا لفرض نفوذها في أوروبا، وهذا الخط «نابوكو» منفذه الوحيد لأوروبا هو تركيا.
وإذا رفضت تركيا المشاركة فيه فلن يتم، وهذا بالنسبة لروسيا مكسب سياسي واقتصادي كبير من الممكن أن تضحي مقابله بالكثير، ولهذا نجحت الوساطة التركية لإقناع غازبروم الروسية بمد خط أنابيب لنقل الغاز الروسي لإسرائيل، وأكثر من ذلك عرضت تركيا على الشركة الروسية توسيع أنابيب خط التيار الأزرق ليسمح بنقل كميات كبيرة من الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية وليصبح في المستقبل بديلا لخط الأنابيب الذي يمر من روسيا إلى أوروبا عبر أوكرانيا، والذي تعرض لأزمات ومشاكل كثيرة بسبب الخلافات بين موسكو وكييف.
ولم تقف الإغراءات لروسيا عند هذا الحد، بل وصلت لدرجة أكبر عندما أجرى رئيس الحكومة الإسرائيلية الجديدة بنيامين نتانياهو اتصالا تليفونيا منذ أيام مع رئيس الوزراء الروسي فلاديمر بوتين ووعد فيه بمشاركة إسرائيل في التكلفة المالية لإنشاء خط نقل الغاز الروسي إليها، وهذا أمر هام للغاية بالنسبة لشركة غازبروم الروسية التي تعاني إلا، من ضيق نسبي في الموارد بسبب الأزمة المالية العالمية.
الاتفاق على توصيل الغاز الروسي لإسرائيل يعتبر إنجازا كبيرا للحكومة الجديدة في تل أبيب، خاصة وأن حاجة إسرائيل من الطاقة تتزايد باستمرار، ومواردها من الغاز تأتيها من جارتها مصر بكميات قليلة، وأيضا تعاني إسرائيل من رفع الجانب المصري لأسعار الغاز بحجة تعرض النظام في مصر لضغوط شعبية من المعارضة المصرية التي ترفض تصدير الغاز لإسرائيل، ولهذا تعتبر إسرائيل الغاز الروسي أكثر ضمانا واستقرارا بالنسبة لها.
روسيا سوف تحصل من خلال هذا المشروع على مكاسب كثيرة، منها ما أشرنا إليه انفا، ومنها مصالح سياسية وإستراتيجية وأمنية في منطقة الشرق الأوسط عن طريق تطوير علاقاتها مع إسرائيل، خاصة وأن موسكو لا ترى أي حماس من جانب العرب لتطوير التعاون معها في أي مجال من المجالات.
خبيرة الطاقة الروسية