تتزايد الشروط الإسرائيلية لبدء المفاوضات مع سورية وصولاً إلى تسوية يوماً بعد يوم، وتؤكد الحكومة الإسرائيلية الجديدة على لسان بعض أعضائها ما هو مؤكد، خاصة فيما يتعلق بتطرفها من جهة ورفضها لأية تسوية فيها شيء من الشمول والعدل وأخذ مصالح الآخر بعين الاعتبار من جهة أخرى.
لقد أضاف أفيغيدور ليبرمان شروطاً جديدة إلى الشروط الإسرائيلية التقليدية في مجال المفاوضات مع سورية، فأشار في تصريحات لإذاعة إسرائيلية ولجريدة ألمانية إلى ما سماه (شروط دمشق غير الشرعية) لبدء المفاوضات، ويعني بذلك ما تطلبه سورية من اعتراف إسرائيلي مسبق بأن الجولان أراض سورية محتلة كشرط بديهي للتفاوض عليها.
وعرض شروطه هو للوصول إلى تسوية مع سورية ومنها رفض الانسحاب الإسرائيلي من الجولان وإعادته إلى سورية، وقال إن أقصى تنازل يمكن أن يقبل به هو استئجار الجولان من سورية بعقد لمائتي عام (إن عقد الإيجار لمائة عام يبيح تملك المستأجر ما يستأجره) ليس هذا فقط وإنما أيضاً إلغاء تواجد المنظمات الفلسطينية في دمشق وخاصة منظمتي حماس والجهاد الإسلامي، وتوقف سورية عن دعم حزب الله اللبناني، وهذا كله بعرف ليبرمان يعني إجراء مفاوضات بدون شروط مسبقة (وكأن هذيانه هذا ليس شروطاً)، ويرى عدم وجود أحد في الجانب السوري يصلح لأن يجري معه محادثات أي لا يوجد شريك سوري برأيه يصلح للتفاوض معه.
هذا هو موقف ليبرمان السياسي اليميني والعنصري والأكثر تطرفاً بين أعضاء الحكومة الإسرائيلية ووزير الخارجية فيها، فماذا عن موقف السياسي الأكثر اعتدالاً والذي كان حزبه يوماً ما يمثل اليسار الإسرائيلي، وأعني به إيهود باراك رئيس حزب العمل ووزير الدفاع والذي يُعوّل عليه عربياً وأمريكياً كي يدفع الحكومة الإسرائيلية باتجاه الاعتدال؟.
لقد صرح باراك في اليوم نفسه أن شروطه المسبقة لإجراء المفاوضات مع سورية تتركز في خروجها مما أسماه (محور الشر) والتوقف عن دعم (الإرهاب) وعدم إيواء منظمات المقاومة الفلسطينية، ومنع تمرير الأسلحة لحزب الله، وإعادة النظر بعلاقاتها مع إيران، وإذا فعلت سورية ذلك تصبح لإسرائيل حسب باراك مصلحة حيوية لإجراء مفاوضات معها، ولكنه لم يتطرق في تصريحاته مقابل هذه الشروط إلى الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة، أو إلى جوانب التسوية الأخرى التي لا تقل أهمية عن الانسحاب من الأراضي، وخاصة تقاسم المياه، وحدود الأراضي منزوعة السلام، ومضمون السيادة ودرجة التطبيع، ومصير المستوطنات في الجولان.
يلاحظ المراقب المدقق أن الفروق ضئيلة بين موقف كل من ليبرمان وباراك من المفاوضات مع سورية وشروطهما، أي أن اليمين واليسار الإسرائيليين قلصا هامش الخلافات بينهما تجاه الوصول إلى تسوية، فليبرمان يرفض قبول الانسحاب من الجولان صراحة ويستعيض عن ذلك باستئجارها لمدة مائتي عام ويتمسك بمبدئه الرئيس (السلام مقابل السلام).
بينما باراك يقول الشيء نفسه بأسلوب مختلف، ولنتذكر أن شروط باراك لعقد اتفاق مع سورية خلال المفاوضات التي جرت في نهاية تسعينات القرن الماضي عندما كان رئيساً لوزراء إسرائيل كانت قريبة من هلوسات ليبرمان فيما يتعلق بالانسحاب، إذ ترافق قبول باراك في ذلك الوقت بالانسحاب بربطه بشروط أخرى عديدة تتعلق بالسيادة ونقاط الرقابة واستثمار الأرض وتوزيع المياه مما يجعل من هذه الشروط شبيهة أو نسخة قديمة عن شروط ليبرمان، والفرق أن هذا الأخير فج في تصريحاته، صلف ووقح، بينما يستخدم باراك شيئاً من الدبلوماسية والمخاتلة والالتفاف على المطالب المشروعة بالمماطلة والتأجيل وإطالة وقت الحوار والمحادثات.
كيف يمكن إذن استئناف المفاوضات غير المباشرة السورية ـ الإسرائيلية أو الانتقال إلى مفاوضات مباشرة مع هذا العنت الإسرائيلي وهذا التطرف، والاستقواء واستغلال الخلل في ميزان القوى العسكري وبالظرف الدولي، وهل من الممكن أن تقبل سورية إجراء مفاوضات تحت هذه الشروط وفي هذا المناخ؟.
راهن العرب منذ عدوان يونيو 1967 حتى الآن على مواقف الإدارات الأمريكية، وكانوا يأملون خيراً بكل إدارة حال قدومها، ويصدقون وعود الإدارات التي كانت دائماً عامة وغير محددة، ولا تتجاوز النيات الحسنة، ولنتذكر عندما عقد العرب آمالهم على إدارة نيكسون ووساطة كسينجر، وعلى إدارة ريغان وكارتر وبوش الأب (مؤتمر مدريد) وكلينتون (الإشراف المباشر على المفاوضات) وبوش الابن (آنا بوليس).
وما قدموه لكل من هذه الإدارات مقابل وعودها سواء فيما يتعلق بتخفيض أسعار النفط أم بالخدمات الاستراتيجية أم بقبول إقامة قواعد عسكرية على أراضيها أم بغير ذلك، على أمل أن يتغير موقف الإدارة من الصراع العربي الإسرائيلي وتزيد ضغطها على إسرائيل، ولكن هذا لم يحصل ولا مرة واحدة، وكانت كل إدارة تتذكر ضرورة اتخاذ موقف متوازن في آخر أيامها،
كاتب سوري
