لم ينقطع الحديث عن أهمية تطوير المناهج الدراسية في مدارسنا الحكومية، ولم تتوقف وزارة التربية والتعليم عن إبقاء الملف مفتوحاً وعن جلب المشاريع التطويرية، وعن قياس القدرات الطلابية في التحصيل، وعن دراسة مؤشرات هذا القياس، ولا يجب أن نظلم هذه المساعي الحثيثة من اجل إبقاء الطالب على تماس مع تطورات الحياة ومتطلباتها وحاجته من التعليم الذي يؤهله لأداء متطلبات الجامعات والكليات..

لكن في ظل هذا كله غابت مسألة مهمة أيضا وهي تنمية القدرات الإبداعية لدى هذا الطالب، فاليوم لا يجد الطالب متسعاً من الوقت لتعلم الموسيقى والفنون التشكيلية والصنوف الأخرى من الإبداع التي تنمي وتدعم مواهبه ومؤشراتها الأولى لديه. وما نعنيه بهذا الحديث ليس حصة الرسم ولا حصة الرياضة على ما هي عليه اليوم، لكن الجانب الذي يجب أن يأخذ حقه بالكامل في هذا الإطار.. الوقت المناسب، الاهتمام المناسب، المعلم المناسب الذي يحتضن الموهبة وينميها.

قديما، وبالرغم من أن مدارسنا كانت فقيرة في كثير من الأمور، إلا أن هذه الجوانب لم تغب لحظة عن خطة التعليم وتربية الفروق الفردية وما تعلق بالمواهب عند طلبتها. ولو سألنا اليوم كبار مبدعينا في البلد كل في مجال تخصصه وإبداعه لتذكر سنوات الدراسة الأولى والمدرسة والمدرس أو المدرسة التي كان لهما الفضل في دفعه إلى هذا المستوى وما وصل إليه..

بالتأكيد سيقول لنا هؤلاء المبدعون إن البذرة الأولى كانت في المدرسة، وان الرعاية الأساسية تلقوها من معلميهم، يوم كان مدرس الرسم همه الأول هو دفع الذين لديهم طاقة خلاقة إلى المزيد، ويوم كانت المسألة تتمتع بشيء كثير من الإخلاص في العملية التربوية والتعليمية..اغلب مبدعينا الذين نفاخر بهم اليوم في المشاركات الخارجية والداخلية تخرجوا من ورشة المدرسة، ويوم كان في المدرسة مرسم بكامل أدواته وخشبة مسرح وصالة تمتلئ بالأدوات الموسيقية. ويوم كانت في مدارس البنات مشاغل مختلفة ومتنوعة تنمي مواهبهن.

اليوم يشعر الطالب في مدارسنا انه أمام ماراثون طويل من التلقين والحفظ وزحم الدماغ بشلال من المعلومات العلمية، ليصبح يوم المدرسة جافا وثقيلا لا يفتح إلا على نافذة واحدة، بينما يغيب باقي النوافذ التي من شأنها أن تجعل يوم الطالب الدراسي، يوما مليئا بالتنوع والتعدد في التعاطي مع الخبرات الجديدة.. شيئا من هذا تحتاجه مدارسنا لتكتمل صورة بيئتها الصحيحة.

mhalyan@albayan.ae