مع أن انتخابات مجالس المحافظات، في العراق، قد مر عليها ما يقرب من ثلاث شهور، إلا أن انبثاق المجالس الجديدة يواجه ولادات عسيرة، بسبب الخلافات الكبيرة بين الحلفاء والشركاء في العملية السياسية. فها هما قائمتا: نينوى المتآخية، في محافظة نينوى، وشهيد المحراب، في محافظات الوسط والجنوب، تعيشان أوضاعاً غير مستساغة بالنسبة لهما، وتجدان نفسيهما في مأزق لم تتحسبا له، بعد أن سحبت انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة البساط من تحت أقدامهما ودفعتهما إلى مرتبة ثانوية الأهمية.

فقد خسرت قائمة نينوى المتآخية، التي يشكل التحالف الكردستاني هيكلها الأساسي، أمام قائمة الحدباء التي اجتاحت محافظة نينوى، وخسرت قائمة شهيد المحراب، التي تمثل المجلس الأعلى الإسلامي، مواقعها، في معظم مجالس محافظات الوسط والجنوب، لصالح قائمة دولة القانون، بالدرجة الأساسية، ولصالح القوائم الليبرالية والعلمانية، بدرجة أقل.

الحقيقة، هذا التغير في مزاج الناخب العراقي لم يتأت عفوياً على الرغم من أن القائمتين المهزومتين قد استنفدتا كل ما بجعبتهما من الوسائل للتأثير على الناخب، سواء باستخدام ما له صلة وثيقة برمز قومي مبجل، أم رمز ديني مقدس، إضافة إلى أن بعضها، قد قدم الكثير من المواد العينية، والكثير الكثير من الوعود لضمان الحصول على أصوات الناخبين.

الخسارة هذه، في الأعراف الديمقراطية، لا تعني، بكل تأكيد، الخروج من المعادلة السياسية، وإنما تعني إدارتها ومعايشتها بطرائق مختلفة، إدارتها من منطلق الإيمان بأن المعارضة هي مشاركة في صناعة القرار بطريقة مختلفة، وليس هزيمة تتطلب مناصبة الفائز العداء. فالمعارضة السياسية، جزء أساسي من مناهج الحكومات والأحزاب السياسية، في تأسيس وبناء وإدامة، النظم الديمقراطية في العالم.

القائمتان المذكورتان، قد شهدتا في الماضي، سنين طويلة حافلة بحوارات الدم مع السلطة التي كانت قائمة، قبل التاسع من أبريل عام 2003، وهما في موقع المعارضة، بل في الحقيقة، موقع العداء، لتلك السلطة.

وتصدرتا المشهد السياسي العراقي بعد سقوطها كقوى حاكمة تصنع القرار، وترسم السياسات، من منطلق تشكيلهما لأبرز تحالف سياسي في العراق الجديد. إلا أنهما الآن، أمام استحقاق سياسي جديد، يتجهان فيه إلى المعارضة بعد أن فشلتا في الحصول على مواقع هامة في المجالس الجديدة. إذ يبدو من خلال متابعة الأحداث، بأن القوائم الفائزة، لا تريد تقاسم النفوذ مع الآخرين، ولا ترغب في اللجوء والاحتكام إلى معادلة التوافق وتقاسم السلطة.

ولكن ما يطرح نفسه بشكل ملح، هو مدى قدرة هؤلاء، على ممارسة اللعبة السياسية، وهم في موقع المعارض، على الطريقة التي تمارس بها الأحزاب الديمقراطية في الدول الأخرى؟. فما طرأ على الخارطة السياسية العراقية، من تغير ملحوظ، هو في الحقيقة مؤشر كبير وهام، على ما سوف يحدث، في المستقبل القريب، حين تفقد هاتان الكتلتان مركزيهما المؤثرين في مجلس النواب، في الانتخابات التشريعية المقبلة، نهاية العام الحالي.

المؤشرات الإيجابية حول ذلك ضعيفة، فالأخبار، تشير إلى أن قائمة نينوى المتآخية، التي تسيطر على اثنتي عشرة وحدة إدارية تسكنها غالبية كردية، في محافظة نينوى،، توشك أن تعلن التمرد. فقد أعرب الناطقون بلسانها عن عدم الانصياع إلى قرارات مجلس المحافظة المنتخب، مهددين بتقسيم المحافظة إلى محافظتين تدير قائمتهما إحداها. وها هي قائمة شهيد المحراب، هي الأخرى، تقاطع جلسات بعض مجالس المحافظات.

ولعل الأجواء، غير الخالية من المبررات التي قد تدفع بالفرقاء إلى الاحتكام إلى القوة. فمحافظة نينوى التي تشهد، في الفترة الأخيرة، نوعاً من التوتر، بسبب الخلافات الكبيرة بين التحالف الكردستاني، وأطراف أخرى في العراق وفي محافظة نينوى بشكل خاص، حول ما أطلق عليه تسمية المناطق المتنازع عليها في الدستور، قد يدفع الأوضاع في العراق، إلى المزيد من التداعي، في هذه الظروف التي تشهد تراجعاً ملحوظاً في الوضع الأمني.

الحياة السياسية، في ظل نظام ديمقراطي، لها أركانها وركائزها الرصينة العديدة، سواء بالنسبة لمن يشغل موقع الحكم، أم يشغل موقع المعارضة، ركائز ذات طابع اجتماعي وأخلاقي وسيكولوجي يجعل مختلف المواقف، منسجمة ومتماهية، مع الأطر الدستورية التي تحفظ وحدة المجتمع وتصب في الصالح العام. هذه الأركان والركائز ينبغي أن تبنى على أسس تتجاوز التواصل مع ثقافة المعارضة التي نشأت عليها هذه القوى في الماضي، وهي ثقافة التقاطع وإغلاق قنوات التواصل.

ومما لا يدعو إلى التفاؤل، في هذا السياق، عاملان أساسيان : أولهما، إن أغلب الحركات السياسية في العراق، والتنظيمات المنخرطة في العملية السياسية، لا تزال في وضع تنظيمي وفكري، بعيد بعض الشيء، عن الوضع الذي يمكن أن يطلق عليه تسمية «مؤسسسة»، بل هي أكثر قرباً إلى التنظيمات التي تُعتبر فيها قياداتها، بمثابة قيادات تأريخية، لا تُضاهى ولا تُساءل ولا يجرى مُقاربتها أو تحديها، وبالتالي تكون قرارات ومواقف هذه الحركات، أكثر قرباً لمواقف هذه القيادات وقراراتها من قربها للقرار الجمعي.

أما ثانيهما، فهو أن السنوات الست المنصرمة، منذ سقوط النظام السابق، لم تخلق تقاليد عمل سياسي ديمقراطي، إلا بقدر ضئيل جداً، سواء لمن يصنع مسارات الأحداث، أو المعارض لها، أو المتفرج عليها، على الرغم من تكرار المفردات التي تنتمي إلى الفضاء الديمقراطي بكثرةً في تصريحات الساسة. فقد اختلفت طبيعة الحوارات بين هؤلاء وتراوحت بين، سجالات هادئة، أو ضربات تحت الحزام، أو اللجوء إلى منطق السلاح.

في سياق الحديث عن الهزيمة وعن تجرع كأسها، ترد إلى الذاكرة، مقولة الزعيم البريطاني، ونستون تشرشل، الذي قاد بلاده إلى النصر، في أحلك الظروف، ابان الحرب العالمية الثانية، كزعيم لحزب المحافظين، وأحد أبرز الشخصيات التي صنعت القرارات في العالم. مقولته، وهو يتلقى أنباء هزيمة حزبه، وهزيمته، في أول انتخابات نيابية، بعد الحرب العالمية الثانية، وفوز حزب العمال البريطاني، وزعيمه كليمنت أتلي، لأول مرة: «بأن ما جرى، هو ما تصنعه عادة الشعوب القوية».