بلغ التحالف الأميركي الإسرائيلي أوجه وقت أن تزامنت إدارة بوش الابن مع عهد رئاسة ارييل شارون للوزارة في تل أبيب. يعزي هذا في تقديرنا إلى التوافق الاستثنائي بين رجلين (وإدارتين) تحكمت في سلوكهما السياسي، وبالقدر ذاته تقريباً، كل من الأبعاد الرؤيوية الأيديولوجية والمحددات المصلحية الإستراتيجية.
ويصح الاعتقاد بأن الانسجام الإيديولوجي الفكري بين هذين الرجلين، بوش الابن على رأس المحافظين الجدد وشارون زعيم ما يوصف باليمين الصهيوني ممثلاً بالليكود ونسخته المعدلة كاديما، كان أسبق وأوجه في تحقيق ذلك التوافق.. لكن مساحة الانسجام والتلاقي توسعت وتعمقت بشدة غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من مزاعم ما يدعي بالحرب على الإرهاب، التي نجح شارون في امتطائها وجرجرة الساحة الفلسطينية إلى رحابها اللعينة.
تحت ظلال ذلك العناق والاستنفار الأميركي العدائي للعالمين العربي والإسلامي، واحتلال دولة عربية وأخرى إسلامية، تمكنت إسرائيل من تجميد عملية التسوية والاستخفاف بمبادرة السلام العربية، وحاولت إملاء شروطها على الطرف الفلسطيني وتوسعت بلا ضوابط في عمليات الاستيطان وتهويد القدس بالأرض المحتلة، واغتالت أبرز قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية، أحمد ياسين ثم ياسر عرفات، واجتاحت دورياً مناطق السلطة الفلسطينية مخلفة وراءها دماراً كبيراً..
وكانت الحملة الإبادية الإجرامية الكبيرة ضد قطاع غزة في ربع الساعة الأخيرة لإدارة بوش الابن خاتمة سياسة استغلال البيئة الأميركية المواتية جداً واستحلابها حتى الرمق الأخير.
وفي المناسبة، كان صدور ما يعرف بوعد بوش قبل خمسة أعوام، الذي أقرت فيه واشنطن ببعض حقائق الأمر الواقع الناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي الممتد للأراضي الفلسطينية منذ 1967، وضرورة أخذها بعين الاعتبار في غمرة التسوية النهائية، من الجوائز الكبرى التي حصلت عليها إسرائيل بين يدي تلك البيئة.
السؤال الذي يراود المعنيين في جهات الدنيا الأربع غداة أفول زمن بوش ومريديه لصالح باراك أوباما وبطانته هو ماذا عن أفق الشراكة الأميركية الإسرائيلية، لاسيما لجهة السقف المسموح به لحركة الطرف الإسرائيلي إقليمياً بعامة وتجاه القضية الفلسطينية بخاصة.. يثار هذا السؤال بمناسبة تبلور معطيات تنذر بمقاربة أميركية تعبر عن التغير بأكثر من تعبيرها عن الاستمرارية إزاء القضايا الأكثر سخونة وتوابعها عالمياً وشرق أوسطياً.
الفترة المنقضية منذ صعود أوباما تكفي للاعتقاد بأن إدارته تنطلق من قناعات وتصورات إيديولوجية فكرية وإستراتيجية مصلحية مختلفة إلى حد ملموس قياساً بمنطلقات أسلافها ونماذجهم السلوكية.
نحن باقتضاب بصدد إدارة ذات حمولة إيديولوجية إستراتيجية وسياسية أكثر مراعاة لمصالح الآخرين.. إدارة تسعى لتقديم لغة الحوار والبحث عن الأرضيات المشتركة على استخدام أدوات القوة العارية، وإلى أن ترد شواهد معاكسة، يحق القول بأن واشنطن في كنف هذه الإدارة تنحو إلى الاهتمام بصورة الديمقراطية الأميركية وبالمعاني والمضامين الحقوقية القانونية والاستحقاقات الأخلاقية، التي أزاحتها أو كادت منازلات بوش ومحافظيه القدامى والجدد إلى موضع متأخر جداً على أجندة تعاملاتهم الدولية.
إذا صح هذا التقدير، نكون أمام مفارقة صارخة فيما يخص مسار العلاقات والشراكة الأميركية الإسرائيلية.. فالتحولات التي تعتمل في أحشاء السياسة الأميركية تتواكب وتتوازى تماماً مع انعطاف الشريك الإسرائيلي أكثر نحو مزيد من الهوس والتطرف إيديولوجياً وإستراتيجياً!. ويوشك المشهد عموماً أن يشي بحدوث صدوع وتشققات في جدار العناق الحميم بين رؤى الشريكين وتصرفاتهما التي عرفناها واكتوينا بلظاها في ولايتي بوش الابن.
المنهجية المقترحة لاستكناه تداعيات هذا التمايز واستشراف توابعه وآثاره علي ملفاتنا العربية والفلسطينية، تكمن في مطالعة بعض السوابق قريبة الشبه والمحاكاة للمرحلة الراهنة. والحق أن الخط البياني للشراكة الأميركية الإسرائيلية خلال العقود الستة الماضية، لا يتضمن نقاطا قطيعة أو صدامات مدوية تخرق الأعين..
ومع ذلك ثمة ما يمكن أن يوصف بالأزمات والخلافات العابرة، ومن نماذجها الشهيرة: الامتعاض الأميركي من المشاركة الإسرائيلية في العدوان الثلاثي علي مصر 1956.
وأزمة الموقف الأميركي الرافض لأية مبادرة إسرائيلية عسكرية واضحة ضد العراق إبان ما عرف بحرب تحرير الكويت 1991، وكذا أثناء غزو العراق واحتلاله 2003. والأزمة التي ترتبت على النفور والبرود الإسرائيلي إزاء الجهود الأميركية لإعداد مؤتمر مدريد للتسوية أواخر 1991.
لقد انتهت هذه الأزمات جميعاً ونحوها بطأطأة الجانب الإسرائيلي واضطراره للانصياع للإرادة الأميركية. والمعنى الذي يمكن البناء عليه، فلسطينياً وعربياً، أنه إذا ما تعارضت الرؤى والمصالح بين السياستين الأميركية والإسرائيلية، فان الغلبة واليد العليا تكون دائماً لواشنطن.
في عام 1956 قال الرئيس الأميركي إيزنهاور للسفير الإسرائيلي في واشنطن (ابا ايبان) بلهجة صارمة «اذهب إلى بن جوريون ـ رئيس وزراء إسرائيل وقتذاك- وقل له إذا كان سيمضي فيما سيفعله ضد مصر مطمئناً إلى سكوتي مراعاة للأصوات اليهودية في الانتخابات، فانه سيرتكب خطأً كبيراً.
إنني سأتصرف وفقاً لمصالح الولايات المتحدة سواء فزت في الانتخابات أم خسرت الرئاسة.»، وكان أيزنهاور آنذاك يعيش ذروة حملة انتخابية لولاية رئاسية أخرى، وفاز بها بالفعل في نوفمبر 1956.
تقديرنا أن مقولة أيزنهاور لم تتقادم حتى وقتنا الراهن. وأن واشنطن تملك قدرة فرض رؤاها وسياساتها علي تل أبيب وأن تدق أمامها الطاولة بقوة إذا ما رغبت ورأت أن لها مصلحة مؤكدة في ذلك.
ولنا أن نتذكر أن كل استعطافات إسرائيل واسترحاماتها واعتذاراتها لأكثر من عشرين عاماً، قد فشلت في إخراج رجلها جوناثان بولارد من محبسه، لأنه تجاوز الخطوط الحمر في تجسسه على الأسرار النووية الأميركية.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
