تواجه الموسيقى والمسرح والفنون عامة إعراضاً كبيراً من قِبَل أفراد المجتمع، بعضهم لا يهتم بها لأنه لا يشعر بقيمتها، وبعضهم لا يهتم بها لأسباب دينية، وبعضهم لا يهتم بها لأسباب اجتماعية، خصوصًا إن ارتبط الأمر بالمرأة، أي إن كانت المرأة راغبة في حضور حفل موسيقي، أو عرض مسرحي، أو معرض تشكيلي، أو ما إلى ذلك.

قبل أسبوعين تقريباً قامت الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان بتوجيه دعوة لعضوات مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الديني الثقافي لحضور عرض (جمانة سر الصحراء) في منتجع الصحراء في دبي، وقد كانت ليلة مميزة بالفعل، بتميز العرض من جهة، وبتميز الحضور من جهة أخرى؛ فقد كان الحضور المرافق للشيخة شما بنت محمد بن خالد من النساء، من مختلف الفئات العمرية، والاجتماعية، والتعليمية، والوظيفية، والفكرية.. الكل اجتمع على الفن، دون أي اختلافات جوهرية في هذا الخصوص.

كانت بيننا ربات بيوت جنبًا إلى جنب مع النساء العاملات، وكان الإعجاب سيد الموقف، وحين انتهى العرض سكت الجميع، ولم تجد من رغبت في التعبير عن إحساسها بما شاهدت ما يكفي من الكلام ليفي بذلك؛ ففي حضرة الجمال يضيع الكلام، ويكون الصمت والتأمل هو أفضل الخيارات.

كنت أتساءل كثيرًا خلال طريق العودة عن دلائل هذا التغير الملموس الذي تشهده المرأة في مدينة العين، التي توصف بالمدينة المحافِظة، وكيف أنها مع هذا الانفتاح على الفنون لم تفقد هذه الصفة المميزة لها.

وكيف أن نساءها لم يبدلن بجلدتهن غيرها حين تعرفن إلى الموسيقى والمسرح والأوبرا وعروض السيرك التي تتوافر لهن فرص حضورها والاستمتاع بها، والارتقاء ذوقًا وفكرًا بالانفتاح عليها، من خلال الدعوات السخية التي تقدمها الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد حفظها الله.

التغيير ليس عملية سهلة على الإطلاق، ومن يسعى إلى التغيير ـ خصوصًا الجذري ـ لا يتوقع أن يجد تجاوبًا من الناس مع الأفكار التي يطرحها، على الأقل في البداية، ربما يحدث شيء من التقبل أو التفاعل، لكن ليس بمجرد طرح الفكرة، لأن لكل جديد رهبته كما يُقال. ولا شك في أن من لديه هدف نبيل يسعى إليه، باذلا كل جهده في سبيله، وساعيًا إلى تحقيقه بكافة الطرق والوسائل التي تُتاح له، لا بد أن يصل إلى هدفه..

إما كليًا أو جزئيًا، في زمن يختلف من شخص لشخص ومن موضوع لآخر، ويحكم ذلك كله قدرة هذا الشخص على التأثير في الآخرين، وتغيير أفكارهم، وربما قناعاتهم.

وفي مجتمع محافظ كمجتمعنا الإماراتي تبدو الكثير من الأفكار غريبة ومستهجنة في بداية طرحها، وبعضها قد يكون طرحه إشكاليًا بدرجة كبيرة، يفضل معها أصحابها أو المقتنعون بها أن يحملوها في أنفسهم ويحتفظوا بها في خزائن صدورهم، لأنهم لا يملكون جرأة الطرح، أو دأب السعي نحو التغيير.

لو فكر كل فرد من أفراد المجتمع بهذه الطريقة لكُنا في مكاننا في قلب حياة الصحراء وعوالمها التي عاشها أجدادنا قبل ظهور الثروة النفطية، ولما استطعنا من التفاعل مع التغييرات المادية الجديدة التي طرأت على البلاد، وساعدت في تحولها من صحراء قاحلة إلى قطعة من الجنة. لكن الشيء المعروف، والذي سيتبادر إلى ذهن القارئ مباشرة في هذه اللحظة، هو أن التغييرات المادية أسهل بكثير من التغييرات الأخرى، الاجتماعية والثقافية مثلا..

فجميعنا تقبل استبدال السيارات بالجمال والخيول التي كانت أكثر من وسيلة نقل عند سكان المنطقة، إذ يرتبطون بها وجدانيًا ويشعرون بها فردًا من أفراد العائلة، لكنهم ما إن طرقت السيارات أبوابهم حتى استبدلوا بإبلهم وخيولهم سيارات أخذت في التطور شيئًا فشيئًا حتى أصبحت ترفًا لا وسيلة نقل فقط.

الأمر نفسه يُقال عن الانتقال من بيوت الشعر، أو البيوت الطينية البسيطة، إلى الفلل الفخمة التي تتوافر فيها كل أسباب الراحة. ولو تتبعنا كل جانب من جوانب الحياة المادية سنجده قد تغير دون كثير تفكير، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى الراحة أو إلى ما من شأنه أن يهيئها له. لكنه حين جاءت بعض التغييرات التي تمس بعض المعتقدات الاجتماعية الراسخة عنده، توقف قليلا، وفكر كثيرًا، قبل أن يقدم على بعض خطوات لا يعلم إن كانت ستُحسب له أو ستُحسَب عليه.

من ذلك على سبيل المثال، موضوع تعليم المرأة، وهو موضوع لم يتيسر للمرأة بسهولة ويسر في المنطقة العربية عمومًا، ومنطقة الخليج خصوصًا، إلا عند بعض العائلات التي كانت على قدر من العلم، أو التي كانت لسبب ما حريصة عليه، فلم تمانع تعليم البنات. ويمكن أن نقيس على ذلك الكثير من الأمثلة التي تصب في الجانب الاجتماعي للمجتمع، في مقابل السهولة واليسر اللذين توفرا للتغييرات التي تعرض لها الجانب الاقتصادي.

والجانب الثقافي يرتبط ارتباطًا كبيرًا بهذا الجانب الاجتماعي، وهو ارتباط بنّاء ومثمر في أصله، لكنه في بعض المجتمعات المحافظة قد يصبح عكس ذلك، إذ يحدث صدام بين الطموحات الثقافية، والتحفظات الاجتماعية، ويكون على واحد منهما التنازل للآخر، كشكل من أشكال الاتفاق على التعايش، برضى أحيانًا، وبسخط أحيانًا أخرى.

وفي ضوء الطفرة الثقافية التي تعيشها الدولة منذ العقد الماضي تقريبًا، حين وصلت إلى مرحلة متقدمة في تطوير الجانب الاقتصادي، وبدأ الاهتمام واضحًا بالجانب الثقافي، كان المتوقع أن يشهد هذا العقد الأول في الألفية الثالثة.

وهو العقد الرابع في عمر دولة الاتحاد، تحولا اجتماعيًا مشعًا نحو تقبل متطلبات الطفرة الثقافية المواكبة للطفرة الاقتصادية، وتجاوبًا مع إلحاحاتها التي تتوخى التوجه بالمجتمع نحو وجهة لم يولّها من قبل، تتكامل فيها عناصر التطور المختلفة، وتتمخض عن شخصية جديدة للمواطن الإماراتي، هي حصيلة سبعة وثلاثين عامًا من النحت في الصخر، والحرث في البحر.

المشكلة أننا لم نصل تمامًا لهذا التصور المأمول، بسبب وجود بعض العوائق الاجتماعية التي تحول بين الواقع والطموح. ولكن هذا لا يعني التوقف عن المضي نحو تحقيق هذه الأهداف التي تحتاج لإرادات فولاذية، تستجيب لصوت التغيير، كي تنتقل من عالم الحلم والطموح إلى عالم الواقع والتحقق. ولا شك أن كثيرين منا يلحظون إمارات لهذا السعي، يمكن أن تكون ذات أثر كبير في اختصار زمن الانتظار، وفي التقليل من المحبطات التي يتعثر بها حاملو رايات التغيير.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com