خلال الأيام الماضية بدأت سلسلة مفاوضات روسية ـ أميركية تستهدف الإعداد لمعاهدة جديدة بين البلدين حول الأسلحة الهجومية الإستراتيجية. ويجب أن يتوصل الجانبان إلى هذه المعاهدة الجديدة قبل نهاية العام الحالي والذي ينتهي فيه مفعول معاهدة «ستارت» التي وقعها الاتحاد السوفييتي السابق مع الولايات المتحدة شهر يوليو 1991 مدة 15 سنة، وقد دخلت هذه المعاهدة التي تشارك فيها كل من روسيا والولايات المتحدة وثلاث دول غير نووية ـ بيلوروسيا وكازاخستان وأوكرانيا ـ حيز التنفيذ في الخامس من شهر ديسمبر 1994.
ووفق بنود المعاهدة كان يجب على الطرفين بعد مرور 7 سنوات من دخولها حيز التنفيذ، وتحديدا في عام 2001، ان يكون الطرفان قد أنجزا تقليص ترسانتيهما من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية إلى 1600 وسيلة لحمل الأسلحة الهجومية الإستراتيجية و6000 عبوة نووية. وخلال عام 2001 قلصت روسيا ترسانتها إلى 1136 وسيلة لحمل الأسلحة الهجومية الإستراتيجية و5518 عبوة نووية.
وأبدت استعدادها لمواصلة عملية تقليص أسلحة الدمار الشامل الموجودة بحوزة روسيا والولايات المتحدة، وشمولها أيضا الدول النووية الأخرى.
ويبدو أن المشروع المبدئي للمعاهدة الجديدة والذي من المتوقع أن يكون جاهزا خلال صيف هذا العام سيراعي توازنا استراتيجيا جديدا، حيث سيحرص الجانب الروسي على ضرورة الاتفاق على عدم نشر أسلحة إستراتيجية هجومية خارج الحدود الوطنية أو في الفضاء، بمعنى أن لا يسمح لأي دولة بنشر أسلحتها الإستراتيجية في قواعدها العسكرية الموجودة على أراضي دول أخرى.
وكذلك تقليص وسائل حمل الأسلحة الهجومية، وتوفير ضمانات بعدم توفر إمكانات استعادة التسليح النووي، وعدم تعويض التقليص الذي سيتم في الأسلحة الإستراتيجية بزيادة منظومات التسليح التقليدية. إضافة إلى إشراك بقية الأطراف الدولية، باعتبار أن هذا الاتفاق يمكن أن يكون النواة لخطة شاملة تضمن الأمن الأوروبي، ونحو عالم خال من السلاح النووي.
أما تخفيض الرؤوس النووية فمازال موضع جدل، باعتبار أن التقليص الكبير يمكن أن يؤثر بشكل سلبي على الأمن القومي الروسي ومصالح روسيا، وهذا ما يؤكد عليه كبار القادة والخبراء العسكريين الروس، لذا يتنامى اعتقاد لدى أغلبية المحللين أن هذا التقليص لا يمكن أن يؤدي لتحديد عدد الرؤوس النووية في الترسانتين لدى روسيا والولايات المتحدة بأقل من 1300 رأس نووي.
أما توفير ضمانات بعدم وجود إمكانات استعادة التسليح النووي، والذي تقصد منه موسكو أن لا يقتصر الأمر على نزع الرؤوس النووية وتخزينها فقط، ما يوفر الإمكانية لإعادتها على وسائل الإطلاق واستخدامها في حالة تصاعد التوتر الدولي. وحرص موسكو على هذا الجانب يعود لتقدم القدرات العسكرية النووية الأميركية على قدرات ترساناتها فيما يخص الجاهزية العالية لنزع وتخزين الرؤوس ومن ثمة إعادتها للخدمة. وهو ما يفسر إصرار موسكو على تقليص وسائل حمل الرؤوس النووية أيضا.
حيث ان روسيا وإن كانت توافق على التقليص فإنها لا توافق على أن تكون الأضعف، خاصة وأن القوة النووية مازالت هي الهوية التي تمنح روسيا وصف الدولة العظمى.
إن عدم توصل الدولتين إلى معاهدات جديدة تضمن تقليص الأسلحة الهجومية الإستراتيجية يهدد بشكل جدي سياسة الحد من التسلح النووي في العالم، وسيفتح الباب أمام تنامي نزعات التسلح النووي ليس فقط لدى روسيا والولايات المتحدة وانما لدى بقية الدول القادرة على تمويل هذه السياسة.
لاشك أن المرحلة القادمة والتي ستحدد عمليا ملامح النظام العالمي الجديد وفق تسويات بين أقطابه، يمكن أن تشهد صراعات حادة، إلا أن هذه الصراعات التي ليست مجرد منافسات بين مراكز مختلفة، وانما هي صراعات تناحرية يقضي فيه الطرف الرابح على الأطراف الأضعف، لابد وأن لا يدخل أسلوب القوة العسكرية كأداة لحسمها، لأن هذه الأداة قد لا تهدد النظام العالم الجديد بعد أن أصبح وحيداً لا يواجه صراعات مع نظام آخر.
ولكنها تهدد أمن وسلامة البشرية والمجتمع الدولي. ولعل إدراك مراكز صناعة القرار الدولية لهذه الحقيقة قد يكون له تأثير لحماية البشرية من مخاطر اللجوء للقوة العسكرية في الصراعات الدائرة.
كاتبة روسية