في الأسابيع القليلة الماضية عرضت إحدى القنوات الفضائية مقابلة مع وداد لوتاه، تلك الواعظة والموجهة الأسرية التي نشرت دراسة بعنوان «العالم السري في أصول المعاشرة الزوجية»، وألهبت مع انتشار صيت الكتاب حمية البعض في التصدي لبعض الأفكار التي تعرضت لها الكاتبة في دراستها.

ومن خلال متابعتي للمقابلة وجدت أننا أمام امرأة انتحارية بالمعنى الحرفي للكلمة، تريد أن تنسف بعض الأفكار المسكوت عنها في كثير من المجتمعات العربية ولا سيما الخليجية، وكشفت عن بعض المشكلات المستترة التي تعودنا أن نهيل عليها التراب وان نتجاوزها، لأننا باختصار في نطاق مجتمع يرى أن الحقوق والواجبات الجنسية بين الأزواج هي من المحرمات، فكيف إذا خرجت لنا امرأة ملتزمة بكتاب تشهره في وجه هذا المجتمع الذي يؤلمه أن يرى كتابا جادين يتناولون موضوعات تثقيفية قد تخدش الحياء المفتعل لبعض الأزواج من قريب أو بعيد!

إن الكاتبة قد أثرت دراستها وبحوثها بمعطيات من ارض الواقع وليس من خيال متعطش لموضوع الجنس، ووقفت من خلال معايشتها اليومية بصفتها المهنية على المشكلات التي هدمت بيوت كثير من الأسر، ووضعت جملة من المفاتيح للسعادة الزوجية. ولعل كتابها ليس الأول من نوعه في العالم العربي الذي حاول أن يتطرق إلى موضوع الجنس في العلاقة الشرعية.

ولعل شريحة واسعة في العالم العربي قد قرأت كتاب «تحفة العروس» الذي حقق شهرة عظيمة بتفنيده للحقوق والواجبات الزوجية وأهم القضايا التي تحيط بالمؤسسة الزوجية، لكن لا يزال المجتمع العربي لا يعرف كيف يتبنى هذه الأطروحات الإسلامية التي تستلهم من السيرة النبوية العطرة منجزاتها العلمية والثقافية، والتي لم تترك حياة المسلم لعواصف وتقلبات الواقع بكل ما يعتريه من مستجدات ومتغيرات تقتلعه من جذوره، وتدعه أمام فراغ روحاني في قضايا أقل ما يوصفها الواصف بالحرجة والمعقدة.

لعل استياء البعض من التحدث في موضوعات تحمل طابع الجنس المشروع، ينطلق من ذريعة الحياء غير المطلوب في الوقت الراهن والذي وضع إطارا ضيقا للعلاقة الشرعية، ووضع قيودا على تلك النقاشات التي تكشف عن الأحاسيس والمشاعر الحقيقية التي تغلف الحياة الخاصة للأزواج، والتي تمس جانبا مهما من التعاطي مع الحياة الزوجية ومدى نجاحها.

ويرى البعض أن المؤسسة الزوجية لا تقوم على أساس الجنس فقط، وان تسليط الضوء على مثل هذه القضايا هو منطلق شيطاني، أو قد يرون أن هناك ما هو أهم وأعمق من هذه الغريزة، ولكن لا يضع هؤلاء الرافضون أية حلول أو مراجع حين وقوع الفأس في الرأس.

ورغم أن هذه وجهة نظر شريحة واسعة في المجتمع العربي، إلا أن هذا المجتمع المتزمت في الانفتاح على الاستماع إلى من يرشده للتخلص من عقدة الجنس التي بدأت تصيب كثيرا من الرجال العرب في مقتل واستطاعت أن تهدم بيوت آمنة، فكما يقول أحدد الأطباء المتخصصين في الأمراض السارية فإن نسبة العجز الجنسي في المجتمعات العربية قد وصلت إلى خمسين في المئة.

وذلك لانتشار مرض السكري الذي بات يهدد رجولة الرجال، وأمام مثل هذه الأمراض وتأثيراتها الملموسة لدى البعض من الأزواج بشكل غير منكور، فإن الدين لا بد أن يواكب هذه المستجدات بالمكاشفة وبتقديم حلول مرضية للأطراف المعنية، خاصة وأن الدين الإسلامي دين معاملة وسلوك ولم يترك أي جانب من جوانب الحياة إلا ووضع له الأسس والمبادئ السليمة.

من منطلق «لا حياء في الدين»، بدأ المشايخ في تقديم الفتاوى الإعلامية التي تمس «الحيض والبيض» وتركوا التفاصيل معلقة في بعض القضايا الحساسة، والتي بحاجة إلى اعتناء خاص وجرأة مشروعة في الطرح، لذلك حين نجد أن هناك من يتولى هذه الموضوعات ويطرحها على الملأ بصوت مسموع، تتفجر الدماء في عروق بعض الآباء والأمهات ويفرضون رقابة ذاتية أشد صرامة من رقابتهم تجاه الأفلام والكليبات المتهتكة.

رغم رقي الحوارات التي يطرحها البعض أمثال الكاتبة وداد لوتاه أو الدكتورة هبة قطب أو الدكتورة فوزية الدريع، وغيرهم من الأسماء التي تحملت وزر توعية المجتمع وتحملت أيضا اضطهاد البعض لها ووضعها في خانة لا تليق بعلمهم أو بسعة إدراكهم المعرفي الثقافي، الذي يدور في إطار الشرع والدين.

وتحليل سلوك الإنسان للارتقاء بفن الحياة الزوجية الذي يرقى بالمعاشرة الجنسية عن البهيمية، ويدخلها في هالة من نور تفسر وتحلل الآية الكريمة «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» والتي لها كثير من التفسيرات الرقيقة والشفافة، وما أروع كلام الله عز وجل في وصفه للعلاقة الحميمية بين الأزواج.

إن الشروع في تسجيل مواقف تجاه الأصوات التي تتعالى لرجم كل من تسول له نفسه الحديث عن الثقافة الجنسية، التي تغض النظر عن الحالة المتردية للمجتمعات العربية الإسلامية التي انسلخت عن قيمها الروحية وتحضرها الجنسي الذي حفظه الإسلام وحافظ في الوقت نفسه على كرامة كل من المرأة والرجل في أكثر الجوانب خصوصية.

ولعل ما نراه من انفتاح غريزي في مجتمعاتنا افرز عددا ليس بقليل من اللقطاء، بل ما نلمسه واقعيا من تساهل في إقامة العلاقات غير المشروعة خارج المؤسسة الزوجية لهو أدعى لوجود توعية جنسية تقدم الوعي المطلوب تجاه مشكلاتهم وفي إطار من الرحمة والمودة التي يفتقدها البعض لدرجة توقعهم في الزلل، وحتى ندرأ عن مجتمعاتنا ويلات الخروج عن نطاق الشرع والحلال إلى ما هو محرم، فإن ضرورة وجود مثل هذه الثقافة يحصن المجتمع الإسلامي ويحافظ على شبابه ويحببه في تمتين العلاقات الزوجية التي بات بعضها على المحك.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com