يبدو أن الإجراءات الدولية التي تم اتخاذها من أجل وقف خطر ظاهرة القرصنة في منطقة البحر الأحمر لم تكن ناجحة ولا ناجعة، بما أدى إلى استفحال الظاهرة بدلا من إيقافها.
وهذا الأمر يؤكد أن التعامل الأمني مع الظاهرة ليس هو الأمثل لأنه يتجاهل البيئة التي نمت فيها الظاهرة وتطورت. فالظاهرة أصبحت لا تقتصر فقط على بعدها الصومالي ولكنها أصبحت أكثر إقليمية عن ذي قبل.
فقد ظلت المنطقة التي ينشط فيها القراصنة محدودة لزمن طويل بخليج عدن بمحاذاة سواحل اليمن، قبل أن تمتد في سبتمبر 2008 مع بروز «جبهة» ثانية بقوة جنوبا في منطقة تمتد 400 ميل بحري (740 كلم) قبالة سواحل مقديشو. وتم إحصاء 6 هجمات فيها في خلال شهر. وأصبح القراصنة الصوماليون يعملون أحيانا في أماكن تقع على مسافة أبعد من قواعدهم. وهكذا خطفت ناقلة النفط السعودية العملاقة سيريوس ستار على بعد أكثر من 450 ميلا بحريا (800 كلم) إلى جنوب شرق مومباسا بكينيا.
وهذا الأمر يعني أن نقلة نوعية حدثت في الظاهرة خرجت بها عن بعدها المحلى إلى آخر مختلف تماما وهو البعد الإقليمى، فمنذ انهيار نظام الرئيس محمد سياد بري في بداية تسعينيات القرن الماضي أصبحت المدن الصومالية ساحة لأمراء الحروب الذين قضوا على كل ما يمت لثقافة الدولة وسيادتها بصلة، مما جعل المياه الإقليمية الصومالية نهبا لسفن صيد دولية تعبث بالثروة السمكية لهذا البلد.
وتطارد قوارب مواطنيه من الصيادين الفقراء الذين دفعتهم نقمتهم إلى تشكيل شبكة مسلحة للدفاع عن النفس، ما لبثت أن تحولت أنشطتها من مجرد الهجوم على سفن تنتهك سيادة بلادهم إلى عمليات خطف سفن تجارية ويخوت سياحية في طريق الملاحة الدولي.
وباتت شبكتهم على قدر عال من التدريب ومزودة بأجهزة اتصالات وأجهزة رصد وقوارب متطورة تمكنهم من تنفيذ عمليات القرصنة بدقة وفرض شروطهم على شركات الشحن العالمية، ليصبحوا بفضل ما يحصلون عليه من أموال أمراء للبحار وتستهوي مهنتهم الآلاف من الشباب الصومالي الفاقد للأمل بحياة كريمة.
وقد أظهرت حوادث الاختطاف المتواصلة على سواحل الصومال أنَّ القراصنة يشكلون شبكةً فائقة التنظيم، تمتلك إمكانياتٍ فائقةً للتواصل والتفاوض مباشرة أو عبر وسطاء، مع الجهات المعنية بالإفراج عن السفن المعتقلة عنها وطواقمها، مما دفع بقادة بعض الدول الكبرى إلى الإقرار بعجزهم عن مواجهتها.
كذلك يعمل القراصنة بطريقة الخلايا العنقودية، ضمانًا لحسن الانتشار والسرية؛ حيث تتكون كل مجموعة من عشرة إلى عشرين شخصًا، وتشير المعلومات إلى أنَّهم يتقنون العديد من اللغات بينها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والهندية.
ولم تكن ظاهرة القرصنة لتحقق النتائج التي حققتها لو لم تكن الأوضاع الإقليمية مهيأة لهذا الأمر، ذلك أن المنطقة تشهد فراغا إقليميا من الناحيتين الأمنية والسياسية، ولم تتحرك الدول المعنية في المنطقة من أجل ملء هذا الفراغ كذلك لم تهتم القوى الدولية بهذا الأمر بما فتح أبواب الفوضى التي استثمرها القراصنة من أجل العمل على ساحة إقليمية واسعة على النحو الذي اشرنا إليه.
فإذا كان ساحل الصومال يعد الأطول أفريقيا حيث يقدر بـ 3300 كم، ويتوفر على ثروة بحرية متنوعة بما فيها طيور البحر والحيتان وأسماك القرش والعديد من أنواع السلاحف والدلافين.
وإذا كانت السواحل أصبحت مرتعا للخارجين على القانون في ظل غياب سلطة الدولة، وكان الصيادون «المحليون» يشكون من أن شباكهم الصغيرة وغيرها من معدات صيد الأسماك تتعرض للتدمير من قبل السفن الأجنبية العملاقة مرارا وتكرارا مما أثار المواجهة المباشرة بين السفن الأجنبية والصيادين في المناطق القريبة من الشاطئ الصومالي.
فإن عمل القراصنة لم يقتصر فقط على هذه السواحل وإنما امتد إلى المياه الإقليمية القريبة منها، بما جعل عملهم يقترب من اليمن وجيبوتي وبعض الدول المحيطة بهم، ومعظم هذه الدول تعانى للأسف إما من عدم استقرار سياسي أو من الفقر الذي لا يمكنها من امتلاك أدوات التصدي للقرصنة القريبة من أراضيها.
والبعد الاقليمى لظاهرة القرصنة يعنى ان مواجهتها يجب أن تشمل البعد الاقليمى ويكون ذلك من خلال تأسيس منظومة أمنية إقليمية جماعية بتمويل دولي من أجل التصدي لها ومواجهتها، ومن دون ذلك فان التصدي لن يكون كاملا.
فإذا كان الكثير من الخبراء يرون أن التصدي للظاهرة يجب أن يبدأ من إعادة الاستقرار للدولة الصومالية، فإن إيجاد أطر إقليمية لعملية التصدي للظاهرة أصبح من الأهمية بمكان في ظل الوضع الاقليمى للمنطقة التي يعمل فيها القراصنة، وفى ظل تطور الظاهرة ذاتها حتى أصبحت على ما هي عليه الآن. ولعل اليمن وعت هذا الأمر منذ بدء الظاهرة في طبعتها الجديدة حيث سعت إلى إيجاد هذا الإطار، وقدمت تصورات تقوم على محاولة إقناع عدد من الدول العربية الرئيسية المطِلة على البحر الأحمر، بالتعاون الجماعي لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
كاتب مصري
