يبدو أن المجتمع الدولي بدأ هو أيضا يدخل مرحلة الركود الأخلاقي. وكان هذا واضحا في مؤتمر ديربان الأخير حول العنصرية، حيث قررت 10 دول بشكل مسبق مقاطعة هذا المؤتمر.

ثم انضمت إليهم استراليا. والواضح أن مؤتمرات السلام ومحاربة العنصرية ومساعدة الدول النامية ومحاربة التلوث كلها أصبحت تشبه مؤتمرات الدول النامية، حيث تتحول إلى جلسات تعارف وشرب قهوة والخروج بتوصيات يعلمون مسبقا أنها لن تنفذ.

ويبدو أن العالم مجتمعا أقر في النهاية بما لم يقر به صراحة من قبل وهو أن سياسات بعض الدول الكبرى لا يمكن تغييرها من خلال المؤتمرات الإنسانية، وأن المصالح الاستراتيجية هي التي تحكم سلوكياتها بل وتحدد سلوكيات الدول الضعيفة.

فالدول الغربية التي نحن من قمنا بتنصيبها وصية على أمورنا، ونحن في صميمنا نقر بأنه لولا هذه الدول لعجزنا عن صنع حبة أسبرين واحدة، هذا الدول التي تطلق على نفسها عظمى لا تستطيع التنازل إلى أبعاد غير محدودة، وتمتلك دائما المسوغات للدفاع عن مواقفها وتصرفاتها وسلوكياتها بشتى أنواعها الأخلاقية وغير الأخلاقية.

وكلنا صدقنا اللعبة ثم اكتشفنا بعد فوات الأوان أنها كانت مجرد خدعة ماكرة، كما حدث في احتلال العراق. فالعالم وقف في البدء مع الولايات المتحدة لأنها كانت تدافع عن الحريات في العالم، ولم يرغب العالم في تصديق حقيقة مشاهد الدمار والقتل العمد للمدنيين وظل مساندا للعمليات الحربية حتى اقتنع في النهاية بأن القصة كلها مجرد سيناريو إستراتيجي اقتصادي تجاري مفبرك على قد مقاساتنا، ولا دخل لها بنشر الديمقراطيات والحريات في العالم النامي.

وأصغر دليل على ذلك الصفقات الاستثمارية بمليارات الدولارات التي احتفظت فيها الولايات المتحدة بنصيب الأسد في عقود إعادة تعمير ما قامت هي بتدميره في العراق، وبعد تسرب أخبار طريقة التعذيب اللا-إنساني الممارس على المعتقلين في غرف غوانتانامو، ومنها على الخصوص أسلوب الإغراق بالماء.

باختصار شديد، فإن كل المعاهدات الدولية بشأن الحريات والديمقراطيات وحقوق الإنسان ومحاربة العنصرية ومعاملة الأسرى وحماية الممتلكات الأثرية والأدبية في الحروب وحماية المدنيين وصولا إلى استثناء المستشفيات وسيارات الإسعاف والأطباء والمدارس من الاستهداف، إضافة إلى جميع التوصيات التي خرجت بها المؤتمرات الدولية في جميع المجالات تظل معطلة عندما تتعارض مع مصالح الدول التي بيدها العصا. وهي دول معروفة للجميع، تماما كما هي تعرف نفسها.

وعندما نأتي اليوم لكي نجتمع في جنيف تحت شعار (محاربة العنصرية) فإننا لا نفعل أكثر من إضاعة وقت العالم الصناعي الرأسمالي. فهناك مسائل أكثر أهمية بالنسبة لهم من مناقشة مسائل عفا عليها الزمن منذ عصور إبادة الهنود الحمر ومنذ استرقاق الجنس الأفريقي من قبل الجنس الأبيض (لأن لون بشرته سمراء هكذا لأسباب علمية طبية متعلقة بالمناخ) .

ومنذ تشريد الفلسطينيين منذ أكثر من 60 عاما لأنهم يختلفون عن اليهود لغة ودينا وليس لونا (حيث أن بشرة اليهود وسكان الهلال الخصيب خاصة لبنان وسوريا والأردن تتشابه إلى حد كبير)، ومنذ سقوط نظام العنصرية في جنوب أفريقيا... إلخ.

كما لا يغيب عن بال الكثيرين بأن العديد من الدول المتحضرة ما زالت للأسف الشديد تنسخ سلوكيات الأطفال، فترفض حضور هذا الاجتماع أو ذلك المؤتمر لأن فلانا حاضر فيه! أو تغادر قاعة المؤتمر لأن فلانا صرح بما لا ترتضيه سياساتها وقناعاتها. ويبدو أن بعض الدول رفضت حضور مؤتمر العنصرية الأخير اعتمادا على هذه الحجج.

وكان العالم يتابع من دون أدنى اهتمام جلساته لأنه غير معني بالأمر، إلى أن قام الرئيس الإيراني بإلقاء خطابه الذي قلب فيه القاعة بين الاعتراض والتصفيق الحاد، وإذا بكل العالم ينجر بداع الفضول لا أكثر إلى طلب إعادة سماع خطبته. وأكثر ما أضحك المشاهد (غير المكترث بطبعه) هو انسحاب مجموعة كبيرة من الدول أثناء التعرض لعنصرية إسرائيل.

وشبه البعض خروجهم بخروج الأستاذ من الفصل أمام سؤال محرج لإحدى تلامذته،وتمنى آخرون لو أن هذه الدول أظهرت حكمة (تعادل وزنها الدولي) في التعامل مع خطبة نجاد بالبقاء في مقاعدهم والقيام بواحد من أمرين: إما الرد على خطبته بتقديم البراهين على عدم صحة الادعاء بعنصرية إسرائيل أو القيام بالتحقيق في اتهامات نجاد بطريقة موضوعية. ولكن خروجهم بتلك الطريقة كان تأكيدا على مدى (ضعف عاطفة وكبر حساسية) الدول الكبرى عندما يتعلق الأمر بأخطائهم أو أخطاء عملائهم.

ولكن هل إسرائيل عنصرية؟ يكفينا ذكر بعض ممارسات الدولة العبرية حتى نصنفها في الفئة التي تليق بها. ترى ألا تعتبر المضايقات اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون (دون غيرهم) منذ احتلال أراضيهم عنصرية؟ ماذا نفسر إقامة الجدار العنصري الذي أطلق عليه جدار برلين الثاني؟ وهل هناك من برهان أكبر وأشد من كتاب (عنصرية دولة إسرائيل) الذي نشره عام 1975 المفكر والبروفسور الجامعي اليهودي إسرائيل شاحاق؟

لقد استعرض المؤلف في كتابه كافة أنواع وأشكال الممارسات العنصرية من تعذيب وهدم المدن الفلسطينية والتمييز العنصري ومصادرة أراضي الفلسطينيين والاحتلال المتوحش والقمع...إلخ.

إن المؤلف ليس عربيا ولا مسلما ولا إيرانيا، بل هو واحد من أشهر الأساتذة في واحدة من أشهر الجامعات اليهودية: جامعة جيروساليم العبرية، وقد كان المؤلف واحدا من اليهود الذين نجوا من الاضطهاد النازي بعد أن قضى عامين في رعب سجون الاعتقال النازي. وقد جاء إلى فلسطين عام 1945 حيث حصل من نفس الجامعة على الدكتوراه في الكيمياء العضوية.

ومن العجيب أن هذا الرجل قد انتقد بحدة معاهدة أوسلو واصفا إياها بحيلة ماكرة وغش وأداة لجعل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية أكثر فاعلية. وقد حذر في كتابه هذا بأنه إن لم تتخلص إسرائيل من «عنصريتها» فسوف تنشأ بالتأكيد عنصرية مماثلة تمارس ضد اليهود أنفسهم، وقال بأن «اليهود من خلال سلوكياتهم العنصرية والوحشية التي يمارسونها ضد الآخرين هم كمن يقطع الغصن الذي يجلس عليه»! أنهي مقالتي بجملته المشهورة هذه مخاطبا اليهود بقوله:

«إنكم بنفاقكم وأفكاركم المتناقضة، ومن خلال سماحكم ودعمكم للعنصرية والقمع سوف تجلبون شقاء وتعاسة جديدة على رؤوسكم. إن كل ما يعاني منه العرب والفلسطينيون اليوم، من خلال تشجيعكم ودعمكم له، سوف تعانون أنتم منه غدا».

المطلوب؟ أن تقوم الدول التي قاطعت أو غادرت جلسة المؤتمر احتجاجا على كلمة نجاد أن ترسل لجنة للتحقيق في صحة كلام الأستاذ الجامعي المؤلف اليهودي المشار إليه أعلاه!

ملاحظة:

هذا المؤلف مهدد بالقتل من قبل إحدى الجماعات اليهودية المتطرفة.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com