كانت القرصنة إحدى أقدم المهن في العالم، إذ يعود تاريخها إلى ما قبل 3000 سنة. وعرف تعبير «القرصنة» لأول مرة منذ مئة وأربعين سنة قبل الميلاد، حيث استعمل المؤرخون الرومان هذا التعبير لأول مرة. وفي القرن العاشر بعد الميلاد عرفوا الأوروبيون القراصنة ب«الوايكنس»، إلا ان انجلترا في القرون الوسطى عادت واستخدمت تعبير «القرصنة» بمعنى النهب البحري. وفي التاريخ الحديث اتسعت القرصنة عندما توسعت الملاحة البحرية وخاصة مع انتشار السفن الأوروبية التي كانت تجوب البحار تستكشف بقاع مختلفة في الأميركيتين وأفريقيا وآسيا حتى الشرق الأقصى بحثا عن الموارد ولبسط النفوذ.

واليوم تتصاعد عملية القرصنة في واحدة من أكثر المياه حركة لملاحة التجارة الدولية في خليج عدن، وكأنما هو العهد الذهبي للقرصنة وخاصة قبالة السواحل الصومالية، إذ إنه في الربع الأخير من القرن الماضي ظهرت القرصنة الحديثة في الملاحة البحرية كواحدة من التحديات الكبيرة مما يستوجب على الدول في المنطقة والأسرة الدولية اتخاذ مبادرات أمنية جديدة.

والقرصنة استهدفت حركة النقل البحري في منطقتنا إلى جانب بقاع أخرى بما فيها مضيق ملكا في جنوب شرق آسيا مهددة بذلك خطوط التجارة البحرية التي تستخدمها أكثر من خمسين ألف سفينة تجارية كل عام منها ستة عشر ألف سفينة تمر في خليج عدن، وحوالي 95% من التجارة العالمية بما فيها التجارة النفطية تنقل بواسطة هذه السفن.

وبحسب تقرير منظمة الانكتاد لعام 2007 الذي يتناول الزيادة الكبيرة في حجم التجارة عبر البحار، تشير إلى أنه بين الفترة منذ عام 1970 وحتى العام الذي صدر به التقرير فقد تضاعف حجم البضائع المنقولة بالبحر من اثنين ونصف مليار طن إلى سبعة ونصف مليار طن سنويا. وتضاعفت شحنات النفط بواسطة الناقلات من واحد ونصف مليار طن إلى اثنين ونصف مليار طن سنويا.

وقد وصف مكتب الملاحة الدولية الوضع الراهن بأنه بالغ الخطورة إذ صرح مدير مكتب الملاحة الدولية السيد بوتينغل موكوندن أن القراصنة لا يترددون في استخدام السلاح لفرض سيطرتهم على السفن والناقلات حيث بلغت عدد السفن الذي تعرضت للقرصنة أكثر من 260 قطعة بحرية، وما لم تتخذ الإجراءات المناسبة فإن خطرا حقيقيا يحدق بالملاحة في خليج عدن.

إن الموقع الاستراتيجي لخليج عدن والأوضاع السياسية غير المستقرة في الصومال، كإحدى الدول المطلة عليه جعلت هذا البلد منطلقا مثاليا للقرصنة البحرية. ومن أخطر أعمال القرصنة السيطرة على الباخرة الأوكرانية المحملة بدبابات 72- ش 33 وعتاد عسكري آخر، والسيطرة على ناقلة النفط «سيروس استار» التي يبلغ طولها حوالي ألف وثمانمئة قدم وكانت تحمل نفطا خاما بما قيمته مائة مليون دولار، وذلك على بعد حوالي خمسمئة ميل بحري من سواحل القرن الأفريقي. وطالب القراصنة مقابل الإفراج على الناقلة عشرة ملايين دولار.

وإذا كان القراصنة يهدفون إلى الحصول على الفدية من أنشطتهم، فإنهم في نفس الوقت يلحقون اكبر الضرر بالملاحة والبيئة البحرية في خليج عدن، الذي قد يتسبب خلال أي مواجهة مع القراصنة إلى تسرب النفط من الناقلات إلى البحر ويهدد البيئة البحرية، كما انه بالفعل أدى إلى رفع تكلفة التأمين على السفن إذ بلغت هذا العام عشرة أضعاف سابقاتها.

وإذا اضطرت السفن لان تختط لملاحتها طريقا آخر حول رأس الرجاء الصالح فان ذلك أيضا سيزيد من نفقات التشغيل للسفن باعتبار الطريق أطول. وهناك اتهامات أن دولا أجنبية عند انهيار الحكومة الصومالية في عام 1991، اعتبرت ذلك فرصة سانحة لنهب الثروة السمكية أو دفن النفايات النووية دون رقيب أو محاسبة.

ويذكر انه بعد تسونامي الذي ضرب سواحل الدول المطلة على المحيط الهندي عام 2005، كشف المستور وظهرت مئات البراميل التي دفنت في رمال تلك السواحل مما أدى إلى إصابة الكثير من البشر في هذه المناطق بأمراض بسبب الإشعاعات الصادرة منها ومات العديد من المواطنين، وحتى اليوم لم يتم تنظيف هذه السواحل ولا يمنع دفن النفايات المشعة فيها ولم تعوض الدول وأهالي المتضررين منها.

ويقدر البعض حجم الاصطياد غير المشروع في بحار المنطقة بأكثر من ثلاثمئة مليون دولار سنويا. فهل بروز هذه الظاهرة في دول المنطقة الفقيرة وخاصة الصومال المطلة على سواحل شاسعة وهي البلاد التي تعاني من ويلات الحرب الأهلية وآثارها جاءت كرد فعل لنهب ثروتها البحرية وإغراق النفايات فيه؟

إلا أن المؤكد هو أن هناك شبكة من المصالح تكونت بفعل أعمال القرصنة وأصبحت أجزاء من أموال الفدية التي يجنيها القراصنة، تمول شراء الأسلحة لمزيد من زعزعة استقرار المنطقة وأجزاء أخرى تذهب إلى القراصنة بواسطة غسيل الأموال وعبر وسطاء كثر معظمهم من الصوماليين المنتشرين في بقاع مختلفة في العالم امتدادا من الشرق الأوسط وحتى بلدان لجوئهم في دول الغرب.

كما أن تصريح السيد بيل ميثوس نائب الرئيس التنفيذي (لشركة بلاك وتر الأمنية العالمية المعروفة مؤخرا، بالحاجة لمساعدة شركات ملاك السفن للوصول إلى وجهتها الرئيسية له دلالاته من اهتمام هذه الشركات لتوسيع عملها في المنطقة. والحقيقة انه لن تتم مواجهة القرصنة إلا بدعم حكومة صومالية مستقرة تنهي النزاعات وتحدث تنمية في البلاد.

كاتب يمني

a_wahishi@yahoo.com