أعادت سلسلة التفجيرات الأخيرة في العراق، وخاصة في العاصمة بغداد، إلى الأذهان، ذكريات مريرة عن أيام دامية، شهدتها المدن العراقية في السنوات الأخيرة. وكشفت كذلك، عن مدى الحاجة، إلى إعادة النظر بأداء المنظومة الأمنية، ووضع اليد على العيوب والنواقص التي تعتري عملها.
كما كشفت، بأن العراق، رغم ضخامة أجهزته الأمنية، لم يخط، بما فيه الكفاية، لضمان عدم عودة العنف إلى ساحاته. هذه التفجيرات، تقلل كثيراً، من قيمة التصريحات المتفائلة، التي أطلقها، مسؤولون عراقيون وأميركيون، من أن الفلتان الأمني، في العراق، بات من الماضي، وأن تنظيم القاعدة يلفظ أنفاسه الأخيرة.
هؤلاء قد تناسوا، أو تجاهلوا، حقيقة هامة، وهي أن وراء عمليات التخريب والتدمير، على مختلف المستويات، التي مورست في العراق، منذ سقوط النظام السابق، لا تقبع جهة واحدة، ولا يتحمل مسؤولية القيام بها جهاز تخريب واحد، ينتمي إلى جهة واحدة. فهنالك شكوك تحيط بمن يقف خلف العمليات الإجرامية الأخيرة، خاصة أن الجهات الرسمية العراقية، لم تقم بنشر نتائج التحقيقات عن عمليات كبيرة جرت في الماضي، ولا شهد الناس، على شاشات التلفزيون، محاكمة أشخاص قاموا بذلك.
المغزى السياسي من هذه التفجيرات هو عرقلة المساعي التي تعززت مؤخراً بالقيام بإجراءات المصالحة الوطنية، والدعوات إليها، والتي صدرت عن مصادر مختلفة، أبرزها دعوة الرئيس الأميركي أوباما، ودعوة الأمين العام للجامعة العربية، والدعوات التي ترددت على لسان رئيس الوزراء العراقي نفسه.
فهنالك أطراف هامة في العملية السياسية لا ترغب بأن تأخذ المساعي نحو المصالحة الوطنية مجراها وذلك لاعتبارات كثيرة يتعلق البعض منها بمصالحها وبالمكاسب التي حصلت عليها. كما أن هنالك، أطرافاً أخرى، تلعب دوراً هاماً في الساحة السياسية العراقية ولها حساباتها التي تتعلق بمصالح إقليمية، ترى بأن ولوج العراق في بوابات المصالحة الوطنية بمثابة إغلاق لبواباتها.
ويبدو أن هذه التفجيرات، في الأطر التي فُسرت بها، كانت رسائل ناجحة، سرعان ما أتت أكلها، حين تراجع بعض كبار المسؤولين العراقيين عن تصريحات سبق لهم أن أدلوا بها تصب في سياق العمل على إسقاط الكثير من الخطوط الحمراء التي وضعت لحظر التعامل مع بعض الأطراف السياسية. وحين سارع المعارضون للمصالحة الوطنية، إلى استغلالها، دعماً لرؤيتهم بعدم جدوى التقارب مع تلك الأطراف.
ويأتي هذا الانهيار الأمني في ظل ظروف توشك القوات الأميركية فيها أن تترك المدن ( يونيو المقبل )، ويقترب فيها موعد الانتخابات التشريعية (نهاية العام الحالي). كما يتزامن هذا التردي مع تعرض مجالس الصحوات إلى محاولات لتصفيتها، مما يثير القلق حول المدى الذي قد ينزلق إليه الوضع الأمني.
فبقدر ما كان لتشكيل مجالس الصحوات، والصولات التي قامت بها، في تطهير محافظات عديدة من فلول تنظيم القاعدة، وتوفير الأمن والأمان للمواطنين، وتقديم عصا غليظة، تعكزت عليها الحكومة، في وقت كانت في أمس الحاجة فيه للخروج من مأزق الفشل في مواجهة الملف الأمني.
نقول بقدر ما كان لذلك من اهتمام وتقدير، وصل حد قيام الرئيس الأميركي جورج بوش بتأدية زيارة خاصة إلى زعيم أول مجلس للصحوات في الأنبار، عبد الستار أبو ريشة، الذي اغتيل فيما بعد، يتابع المراقبون، داخل العراق وخارجه، باهتمام أكبر، ما يجري الآن من مضايقات لهذه التنظيمات التي وصلت حدود المطاردات والاعتقالات والتصفيات الجسدية لبعض قياداتها.
الملف الخاص بهذه الجماعات، غير منفصل، عن الملفات الأخرى الساخنة التي لا تزال مشرعة في العراق، وليس من الصواب، قراءة ما يجري في ساحاته بمعزل عن الوضع العام الذي يتحكم في صناعة جزئيات حياته اليومية، أو بمعزل عن أجندة وسياسات بعض دول الجوار، التي ترى، أن أمنها القومي، يتطلب بقاء العراق ضعيفاً ومفككاً.
مجالس الصحوات تتعرض في الآونة الأخيرة إلى:
1. تصفيات جسدية، بفعل عمليات انتحارية، لا شك أن أصابع الاتهام فيها تشير إلى أبرز اعدائها، وهم المنتسبون إلى تنظيم القاعدة.
2. مضايقات من قبل أجهزة الدولة، تتراوح بين تأخير دفع مستحقاتها المالية وتعرض بعض قياداتها إلى المطاردة والاعتقال، وتوجيه الاتهامات إليها بالقيام ببعض الأعمال الإرهابية، أو بأن تنظيماتها قد اخترقت من قبل منتسبين للقاعدة، أو من قبل بعض من ينتمون إلى النظام السابق. مما حدا بالكثير من أفراد هذه الصحوات إلى التخلي عن نقاط السيطرة والتفتيش والحراسة التي مارسوا فيها مهامهم.
والحقيقة أن بعض هذه التهم قد يكون في محله، فاختراق هذه المجالس، من قبل هذه الجهة أو تلك، ليس بالأمر العسير أو المستبعد، فالكثير من أجهزة الدولة مخترق، فقد قامت وزارة الداخلية، مؤخراً، بفصل ما يزيد على الستين ألف من منتسبيها باعتبارهم عناصر مشكوك بولائهم. إلا أن من غير المفهوم تصعيد المواقف مع هذه المجالس إلى درجة تنذر بالقطيعة التامة في ظل هذه الأوضاع، غير المطمئنة، التي قد ينجم عنها انتكاسة أمنية كبيرة.
تشكلت هذه المجالس، وتحركت، منطلقة من قيم العشيرة وتقاليد المنطقة، في منع الغرباء من العبث بمقدراتها، ولعبت دوراً إيجابياً أسهم بطفرة نوعية في تحسين الوضع الأمني في عدد من المحافظات، باعتراف الجميع. والحقيقة أن هذه المجالس قد وُجدت كظاهرة أمنية موقتة، في ظرف زمني خاص، خارج حضانة القانون وحصانته، وبعيداً عن رحم الدولة ودفئه.
فقد نشأت في حضانة القوات الأميركية، وحصلت على دعمها سياسياً ومالياً، ولم يتخل الجيش الأميركي عنها وينيط تبعاتها بأجهزة الدولة العراقية إلا مؤخراً. إلا أن بقاءها، بهذا الوضع الاستثنائي، يديم واقعاً غير قانوني، من جهة، ويحرج الأجهزة الأمنية الرسمية، ويضعف سلطة الدولة، من جهة أخرى.
ولا بد أن يُصار إلى صيغة تذوب فيها هذه المجالس، وتُحل تنظيماتها، حين تنتفي الحاجة إلى وجودها، في ظل أوضاع أمنية مستقرة، برهنت الأحداث الأخيرة بأن حين ذلك، لم يَحن بعد.
كاتب عراقي