غدت قبرص عضواً في الاتحاد الأوروبي اعتباراً من أول مايو 2004. وفي الواقع القسم اليوناني من الجزيرة هو وحده الذي أصبح عضوا في هذا الاتحاد على الصعيد السياسي.

بالمقابل ظلّت قبرص بلداً محايداً وليس عضواً في الحلف الأطلسي، هذا على عكس تركيا التي دخلت من جهتها في مفاوضات اعتبارا من أكتوبر 2005 للانضمام للاتحاد الأوروبي.

ضمن مثل هذا السياق أصبحت الاجتماعات المشتركة بين الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي اعتبارا من عام 2004 مجالا للمواجهة بين قبرص وتركيا. ذلك أن الأتراك يرفضون، في الواقع، حضور القبارصة في الاجتماعات المشتركة بين المنظّمتين.

السبب الرسمي الذي تقدمه السلطات التركية هو عدم مشاركة قبرص في «الشراكة من أجل السلام» التابعة للحلف الأطلسي.

وهذه الشراكة هي أداة لتسيير العلاقات بين الحلف الأطلسي «النيتو» وبعض الدول غير الأعضاء فيه لكنّها قريبة جغرافيا من حدوده والتي تشمل واقعيا الدول المحايدة المنضوية في إطار الحلف الأطلسي.

إن «الفيتو» التركي مفهوم قانونيا وسياسيا. ولهذا طالب تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي قبل فترة قبرص بضرورة الانتساب إلى «الشراكة من أجل السلام» لإزالة تلك العقبة. وبالتوازي استخدمت تركيا كثيرا في السنوات الأخيرة مكانتها كدولة عضو في «النيتو» لمحاولة إقناع الدول الأوروبية المترددة بأهليتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وبأهمية المسألة القبرصية.

ولم تتردد في سبيل ذلك بتعطيل عدد من القرارات الرامية إلى المضي قُدما في بناء السياسة الأوروبية للأمن والدفاع.

وفي بداية الشروع بإعداد السياسة الأوروبية للأمن والدفاع لم يكن مطروحا تزويدها بسلسلة للقيادة وبسلطة التخطيط، لذلك جرى اتفاق ثنائي بين الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي تحت تسمية «برلين بلوس» لضبط استفادة الأوروبيين من وسائل القيادة والتخطيط.

وبهذه الطريقة يمكن للاتحاد الأوروبي استخدام الإمكانيات الأطلسية للقيام بعملياته. وهذا يستدعي حق كل دولة من دول «النيتو» بمعرفة كيفية مثل ذلك الاستخدام. والمسؤولون الأتراك يستخدمون هذا الحق من أجل الضغط على قبرص وعلى البلدان الأوروبية. وفي كل مرّة تتطلّب فيها السياسة الأوروبية للأمن والدفاع استخدام وسائل الاستخبارات أو إمكانيات «النيتو» تشترط تركيا عدم مشاركة قبرص.

بالطبع لو كان الاتحاد الأوروبي مزوّدا بخلية مستقلة للتخطيط وقيادة العمليات فإن الأمر سيكون مختلفا تماما. لكن معارضة بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خاصّة المملكة المتحدة، تمنع السياسة الأوروبية للآمن والدفاع من التمتّع باستقلال كامل لإعداد عملياتها. وهناك صعوبة أخرى تتعلّق بالتعاون بين الاتحاد الأوروبي و«النيتو» على نفس مسرح العمليات. وفي حالة أفغانستان حيث تقوم المنظّمتان بعمليات متكاملة، يقضي المنطق تنسيق تلك العمليات.

لكن تركيا تعارض مثل هذا التنسيق وبذلك لم يكن من الممكن مثلا الوصول إلى اتفاق لتأمين حماية رجال الشرطة المشاركين في مهمّة البوليس الأوروبي في أفغانستان. وإذا كان يُراد تجاوز مثل هذا التعطيل فإنه ينبغي حل مسألتين أساسيتين.

أولا لا بد من تأسيس خلية تخطيط وقيادة أوروبية مشتركة تسحب من يد تركيا ورقة استخدام حق النقض « الفيتو» حول العمليات الخاصّة حصرا بالسياسة الأوروبية للأمن والدفاع.

لكن يبقى واقع أن تعطيلاً داخلياً في الاتحاد الأوروبي، أي لا يتعلّق بتركيا، مثل الذي مارسته بريطانيا منع تاريخيا الاتحاد من التزوّد بمثل تلك الخلية المشتركة. وقبل فترة وجيزة عندما كانت فرنسا تتولّى رئاسة الاتحاد الأوروبي كان التزوّد بها في رأس قائمة الأولويات.

لكن لم يتم تحقيق أي نتيجة ملموسة بسبب الدور المعطّل الذي تلعبه لندن.

وثانيا لا بدّ من تطبيع العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي فيما يخص السياسة الأوروبية للأمن والدفاع. فمن جهة يمكن لتركيا أن تقدّم للاتحاد مساهمة أكبر في المهمات على صعيد البشر كما على صعيد التجهيزات، فحاليا هناك مثلا 255 جندياً تركياً ينتشرون في إطار مهمة «أتينا» في البوسنة كتنفيذ لمتطلبات السياسة الأوروبية للأمن والدفاع. وبالمقابل تتحسّن عامّة عبر التطبيع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي و«النيتو».

وفي حالة إنشاء خلية أوروبية للقيادة وتخطيط العمليات ستجد تركيا نفسها أمام خيار بسيط: إمّا أن تشارك احتمالا في مهمات السياسة الأوروبية للأمن والدفاع تبعا لمصالحها الوطنية، وإمّا أن لا تفعل ذلك، لكن دون امتلاك أية سلطة معطّلة آنذاك.

ثمّ ان مشاركة تركيا في مهمات السياسة الأوروبية للأمن والدفاع ستجعل من المشروع بالنسبة لها الاندماج في آليات البحث والعمل على تحسين نشاطات «الوكالة الأوروبية للدفاع» التي توصّلت النرويج إلى توقيع اتفاق أداري معها يسمح لها بالمشاركة في بعض النشاطات ولكن لم تستطع تركيا التوصّل إلى اتفاق مشابه، رغم أن الدولتين كانتا عضوين في «مجموعة تسلّح أوروبا الغربية» السابقة والتي اندمجت في إطار الوكالة.

وفي المحصّلة إذا كان انضمام فرنسا إلى القيادة العسكرية للحلف الأطلسي قد يغيّر الوضع، افتراضيا، فإنه من المطلوب حكما تطوير الاتحاد الأوروبي باتجاه تأسيس خلية مستقلّة للتخطيط وقيادة العمليات.

كاتب فرنسي

professorrabie@yahoo.com