تسير حياتنا على البركة، أو «على التساهيل» كما نقول في اللهجة العامية، لا يوجد تخطيط ولا تفكير حقيقيان، ولا يكاد أي واحد منا يعرف ماذا يريد أن يحقق خلال السنوات الخمس القادمة مثلاً، ولا إلى أي هدف يريد أن يصل، أو أي حاجز يريد أن يكسر خلال مدة زمنية محددة. لو فكرنا في أي جانب من جوانب حياتنا سنجد أننا بالفعل نفتقد للتخطيط والتدبير والتفكير.
أقل ما يمكن أن نقف عنده ـ مثلاً ـ هو المناهج التعليمية، التي توضع بالإفادة من أفضل التجارب العالمية، وبالاتكاء على الوثائق التربوية المعتمدة في الدول الأجنبية الرائدة في مجال التربية والتعليم.
ولكن كل هذا الجهد الذي يُبذل في الإفادة من التجارب العالمية، وتكييفها بما يتناسب مع ثقافتنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا، يضيع هباءً حين يُواجَه بعدم وجود تخطيط بعيد المدى لما يمكن أن تحدثه هذه المناهج من تغيير في أجيال متتالية تجد نفسها معرضة لتجريب مناهج ومشاريع وخطط تربوية تتغير من عام إلى عام قبل أن نعرف نتيجتها سلباً أو إيجاباً.
لو كان عندنا أدنى قدر من التفكير والتخطيط وما يتطلبانه من بعد نظر كنا عرفنا أن التغييرات المتلاحقة في أي شيء تضر ولا تنفع، وأننا قد نستطيع الوصول إلى أهداف عظيمة بآليات بسيطة، من الممكن أن تؤتي ثمارها لو أخذت وقتها وفرصتها في التطبيق على أرض الواقع، في حين لن نستطيع تحقيق شيء يُذكر من هذه الأهداف العظيمة إذا كنا سنغير آلية التطبيق عاماً بعد عام، حتى لو كانت كل واحدة من تلك الآليات موضوعة على أيدي خبراء عالميين، لأن الثبات والاستمرارية هما أهم عاملين من الممكن أن يسهما في الوصول إلى الأهداف بنجاح.
طبعاً هذا مثال واحد في جانب واحد، ولو شئنا أن نتوسع ونذكر عدداً أكبر من الأمثلة في الجانب نفسه أو في جوانب أخرى مختلفة سينفتح باب من الصعب أن يُغلق، ولكنني سأتوقف عند هذا المثال، وسأذكر في المقابل مثالاً آخر، من جهة أخرى من العالم، وأنا أنقله عن شخص رأى ما حكاه لنا بنفسه، وعايشه وعاينه.
كان الكلام عن الموسيقى، وفي سياق المقارنة بين تعليم الموسيقى عندنا وتعليم الموسيقى في الدول الغربية، ذكر الناطق أنه زار أحد معاهد تعليم الموسيقى في واحدة من الدول الأوروبية، وكان خاصاً بتعليم الكمان للأطفال، فرأى أنهم يقومون بتعليم الطفل العزف على الكمان من خلال تلوين أوتاره الأربعة بأربعة ألوان مختلفة: أحمر، وأصفر، وأخضر وأزرق مثلاً، ثم يُطلب من الطفل، ذي الأربع سنوات، أن يعزف اللحن الأخضر، فيقوم الطفل بمحاولة عزف لحن على الوتر الأخضر،..
وبعد ذلك يُطلب من الطفل أن يرسم اللحن الأخضر الذي عزفه، ويعطونه قلماً أخضر كي يرسمه، وفي هذا إثارة قوية لعقل الطفل، إذ يفكر في كيفية تحويل الصوت إلى لون، ويربط بين هذين المفهومين اللذين يبدوان منفصلين عن بعضهما، وهما في الواقع مرتبطان ببعضهما جداً.
بعد ذلك يُطلَب من الطفل أن يرسم مستخدماً الألوان الأربعة كلها،.. أن يرسم فقط، أي شيء، ولنا أن نتخيل جميعاً طفلاً بعمر أربع سنوات، وبيده أربعة أقلام ملونة، ومطلوب منه استخدامها للرسم، فكيف سيكون شكل اللوحة الناتجة عن هذا! بكل بساطة نستطيع أن نقول إنها مجموعة «خرابيش»، أو باللفظة التي يعرفها الصغار اليوم جيداً بعد الأغنية الشهيرة «شخبط شخابيط»، فهي «شخابيط»، مجموعة ألوان متداخلة ومتشابكة مع بعضها أحياناً بعلاقات ظاهرة وواضحة، وفي أغلب الأحيان دون أي علاقات بينها.
لا ينتهي الأمر هنا، بل بقي شيء واحد فقط، هو أهم ما في الأمر حتى الآن، إذ يُطلب من الطفل أن يعزف رسمته!.. رسمته المكونة من أربعة ألوان، تمثل ألوان أوتار الكمان الذي بين يديه، بعد أن كان يستطيع أن يعزف لحن لون من ألوانه منفصلاً، الأخضر أو الأصفر أو غيرهما، أصبح الآن مطالباً بالمزج بين هذه الألوان صوتاً، كما مزج بينها رسماً، وقد كان في السابق يرسم الصوت، فإذا به الآن يعزف اللون!
سمعت هذا الموقف من الأستاذ الدكتور سلطان الخطيب في دورة عن تاريخ الفنون انطلقت قبل أسبوعين، في مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافي الديني، الذي تترأسه الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، حفظها الله، وهي إحدى الشخصيات المجتمعية المكرمة في يوم العلم (23) لجهودها المستمرة والمتجددة، التي تشي برغبة عميقة في إحداث تغيير ثقافي جذري من الممكن أن يقودنا إلى أن نفكر ونبتكر وننتج..
ولا بد لي في هذا السياق أن أقدم لها التهنئة والمباركة على هذا التكريم الذي تستحقه، وكأنه يُقدم لها من كل قلب أخضر غرست فيه حب الثقافة والعلم والفن والإبداع.
إن تأمل هذا الموقف الذي ذكره لنا الدكتور الخطيب لا بد أن يقف بنا عند عدة أمور، أولها هو التساؤل الملحّ: كيف وصلوا إلى هذه الآلية البسيطة في فكرتها والعظيمة في نتيجتها لتعليم الطفل الموسيقى؟
إنهم بلا شك أعملوا أذهانهم، وخاضوا الكثير من المراحل التجريبية، حتى وصلوا إلى هذه النتيجة. لكن كل مرحلة تجريبية لا بد أن تكون قد أخذت وقتها الكافي، لذلك أثمرت هذه الثمرة. ثم إن تعليم الطفل الانزلاق من الصوت نحو اللون والعودة من اللون نحو الصوت لا يعني فقط تعليمه الموسيقى أو الرسم، بل يعني بناءه فكرياً وذهنياً، إذ إن هذه الآلية في التعامل مع الصوت واللون ستساعده على صياغة أفكاره نحو مفردات الحياة والكون أيضاً.
وهذه الآلية البسيطة في التعليم تعد مفتاحاً للإبداع والابتكار، لأنه ليس من السهل على الطفل أن ينتقل انتقالات حدية من الصوت إلى اللون أو العكس، بل يحتاج لقدر من الإبداع والابتكار حتى يصوغ لحنه الخاص انطلاقاً من ألوانه، أو ليشكل رسمته الخاصة انطلاقاً من ألحانه، أي أنه مجبر على أن يفكر ويبتكر بنفسه، ولا يستعير أفكاره من أحد.
هذه بعض من الخواطر التي مرت على ذهني وأنا أستمع للدكتور الخطيب، ثم وأنا أتأمل هذا الموقف مرات ومرات بعد ذلك، وأكاد أتآكل حسرة على سنوات وعقود تمضي من أعمارنا، ونحن لم ندرك حتى الآن أنها جزء من عمر بنيتنا الحضارية والفكرية التي نظن أنها نضجت، ولكنها لا تزال حتى الآن في بداية مراحل الإعداد.
جامعة الإمارات