قرار الناتو بإجراء مناورات عسكرية متعددة الجنسية يشارك فيها أكثر من 3,1 ألف فرد من القوات المسلحة من 19 بلدا أعضاء في الحلف وشركائه خلال الشهر القادم في جورجيا، أثار ردود فعل روسية متفاوتة في حدتها.

فقد اعتبر سكرتير مجلس وزراء دفاع بلدان رابطة الدول المستقلة الفريق الكسندر سينايسكي مناورات الناتو في جورجيا «خطوة سياسية» يستهدف بها الحلف استعراض قدراته وإصراره على التواجد في مناطق القوقاز بالقرب من حوض بحر قزوين.

فيما أعلن الرئيس دميتري ميدفيديف أن قرار الناتو الخاص بإجراء مناورات في جورجيا لا يساعد على التقارب مع روسيا بل ويثير الشكوك في نوايا حلف شمال الأطلسي، وأضاف أنه عندما يجري هذا الحلف العسكري أو ذاك مناورات على الخطوط، حيث كان الوضع حتى وقت قريب متوترا للغاية.

ولا يزال كل شيء هناك الآن معقدا، فإن هذا يهدد بمختلف التعقيدات. وحذر ممثل روسيا لدى حلف شمال الأطلسي دميتري روغوزين من وقوع استفزازات ضد عسكريين أميركيين وأوروبيين خلال المناورات التي يعتزم الحلف القيام بها في جورجيا، وحمل الناتو المسؤولية الكاملة عن تلك الاستفزازات في حال وقوعها.

ويصعب القول ان تصريحات روبرت بشيل أحد المسؤولين في قيادة الناتو، والتي أشار فيها إلى أن هذه المناورات ليست أكثر من تدريبات عسكرية، ستجري دون استخدام سلاح ومعدات حربية، يمكن أن تخفض درجة التوتر المتصاعدة في المنطقة.

وبالرغم من أن هذه المناورات متفق على إجرائها قبل اشتعال الحرب الجورجية، إلا أن إجراءها اليوم بعد أن أصبحت هذه المنطقة متوترة يكشف أن لدى الناتو الأهداف الحيوية يريد تحقيقها، أهم من مجرد تدريب القوات، خاصة وأنه خلال إجراء هذه المناورات سينعقد لقاء مجلس روسيا ـ الناتو على مستوى وزراء الخارجية، والذي تم تعليق أعماله من جانب واحد في سبتمبر عام 2008، على أثر دخول القوات الروسية حرب أغسطس لايقاف العملية العسكرية الجورجية في أوسيتيا الجنوبية.

وكلما تقدما علاقات روسيا ـ الناتو خطوة إلى أمام تظهر قرارات وتحركات غريبة وغير مفهومة من الحلف تضر وبشكل مباشر بكافة أوجه التعاون مع روسيا، في وقت أصبح احتياج قوات الناتو للدعم الروسى حيويا للغاية.بدءا من الرقابة على الأسلحة التقليدية، وانتهاء بتوفير الإمدادات اللازمة لقوات الناتو المتواجدة في أفغانستان.

وما يدفع للتساؤل عن نوايا حلف شمال الأطلسي، هو أن هذه المناورات التي عمليا تعتبر تدريبا خاصا للقوات الجورجية قد تم الارتقاء بمستواها هذا العام إلى تشكيلات أكثر اتساعا والتي تقوم بعمليات عسكرية، وليس كما يقال أنها مجرد تدريبات لحماية البعثات الدولية لحفظ السلام، فهل يعد الناتو القوات الجورجية لخوض حرب جديدة ضد روسيا؟

يبدو أن الناتو مازال يبحث عن عدو في روسيا لكي يتمكن من إيجاد مبررات وجوده كحلف عسكري، فشل في مواجهة الإرهاب، وفى تسوية النزاعات في البؤر الساخنة، وتحول إلى مجرد إطار مترهل غير قادر على تقديم أي حلول أو إستراتيجيات محددة لمواجهة تحديات المرحلة الجديدة.

ومما لاشك فيه أن سيطرة هذه العقلية على الحلف تهدد الأمن والاستقرار الدوليين، باعتبار أنها تحرف الأنظار عن المخاطر والتهديدات الحقيقية إلى تفاصيل وهمية.

أكثر من هذا أن تستهلك طاقات بقية الأطراف الدولية في صراعات ومواجهات لا ضرورة لها، ولا تخدم مصالح الغرب.ولعل تباين المواقف والتوجهات السياسية الذي نلمسه بين أعضاء الحلف،وبين الحلف نفسه ومؤسسات البيت الأوروبي تكشف عن أن الناتو أصبح عبئا ولا يخدم مصالح أوروبا.

ونلمس أن العديد من القادة الأوروبيين يتجاوبون مع الرؤية الروسية، ويحاولون توجيه مؤسسات الأسرة الأوروبية نحو تحقيق مصالح بلادهم عبر الحوار والتلاقي مع مختلف الأطراف الدولية على أرضية المصالح المتبادلة، إلا أن هذه التوجهات تعانى من سياسة تتمسك بها بلدان أوروبا الشرقية وبعض الأطراف الغربية التي تعتقد أن مصالحها ستنهار لو توصل المجتمع الدولي لصيغ تعاون.

كاتبة روسية

jannamarat@km. ru