نجح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات الرئاسة الجزائرية، بنسبة تفوق التسعين في المئة من أصوات الناخبين الذين ذهبوا لصناديق الاقتراع، وهؤلاء بلغت نسبتهم ما يفوق الأربعة وسبعين في المئة من أصوات الناخبين المسجلين.
وهذا النجاح لا يعنى أن المهمة أمام الرئيس في ولايته الثالثة أصبحت سهلة ولكن يمكن القول إن هذه المهمة من الصعوبة بمكان في ظل الوضع الجزائري الراهن.
وفى مقدمة المهام الصعبة أمام الرئيس الجزائري هو تأكيد شرعيته، فعلى الرغم من النسب المرتفعة المعلنة من قبل وزارة الداخلية الجزائرية والتي فسرت بأنها محاولة منها للقفز على زعم المعارضة بان الناخب الجزائري لم يذهب إلى صناديق الاقتراع، وذلك بهدف التشكيك في شرعية الرئيس، فان المعارضة لن تعدم التشكيك في هذه الشرعية ولديها في هذا الأمر طرحان الأول يتعلق بنزاهة العملية الانتخابية وصحة الأرقام التي أعلنت من قبل وزارة الداخلية، وقد شككت عدة أحزاب بالفعل في هذه الأرقام متهمة الوزارة بتزوير الانتخابات.
أما الطرح الثاني فيتعلق بان الرئيس نجح في انتخابات لم تشهد منافسة جدية بسبب مقاطعة مرشحي كل الأحزاب المعارضة الرئيسية لها. وبالتالي فان شرعية الرئيس اهتزت بسبب غياب المنافسة عن الانتخابات التي اعتبرتها الأحزاب المعارضة مجرد طقس سياسي نتائجه معروفة سلفا.
ولكي يتعامل الرئيس مع هذا الوضع عليه أن يقوم بعملية انفتاح واسعة تجاه أحزاب المعارضة التي قاطعت الانتخابات، خاصة تلك التي تنتمي إلى المناطق القبائلية، ذلك أن العلاقة بين الحكم الجزائري وسكان مناطق القبائل لم تكن على ما يرام خلال ولايتي الرئيس وشهدت المناطق أحداث عنف أكثر من مرة، بما جعل العلاقة بين الدولة والامازيغ متوترة على مدى سنوات حكم الرئيس.
وخلال الحملة الانتخابية أعطى الرئيس بوتفليقة أولوية لمناطق القبائل في حملته الانتخابية وزارها ولكن ذلك غير كاف لكي يزيل التوتر في العلاقة، لان هناك إجراءات مهمة على الرئيس القيام منها في مقدمتها وضع المناطق القبائلية ضمن المناطق ذات الأولوية في مشروعات التنمية المحلية بالجزائر، وان يفتح الرئيس حوار حول مشكلات الامازيغ مع زعماء المناطق والقيادات الحزبية الامازيغية فهؤلاء وان لم يعلنوا عن الانتماء الثقافي لأحزابهم فان كل سكان الجزائر يعرفون أن أحزابهم لها انتماء محلى أقوى من الأفكار السياسية ومن كل الإيديولوجيات التي تعلن الأحزاب الانتماء لها.
والحاصل أن الامازيغ كانوا هم الفئة الأكثر التصاقا بالدولة في مرحلة الأزمة السياسية الداخلية التي شهدت عمليات العنف من قبل التنظيمات الإسلامية المتشددة، وعندما بدا الرئيس جهوده في سياسة السلم والمصالحة بدأ سكان المناطق في الخشية من أن يتكون المصالحة على حسابهم وعلى حساب ثوابت الدولة التي تضع مصالح سكان القبائل في حسبانها، ومن أن تكون سياسة السلم مقدمة لأسلمة الدولة، وبالتالي فانه على الرئيس أن يشرح للامازيغ الأهداف الحقيقة لسياساته التصالحية والمآل الذي سوف تؤل إليه في المستقبل، لان ذلك كفيل بعودة الوئام إلى علاقة الدولة بهؤلاء السكان.
أما المهمة الصعبة الثانية أمام الرئيس فتتعلق بمدى إمكانية نجاحه في تنفيذ الشق الاقتصادي من برنامجه الانتخابي، ذلك أن الرئيس وعد بضخ مبلغ 140 مليون دولار في الموازنة من اجل تنفيذ المشروعات التنموية، وان يوفر ثلاثة ملايين فرصة عمل خلال سنوات ولايته الثالثة. والحاصل أن الرئيس بوتفليقة حقق نجاحات اقتصادية مهمة خلال ولايتيه السابقتين.
وهذا الأمر كان احد أسباب نجاحه في حصار الظاهرة الإرهابية، ولكن هذا النجاح يعود بالأساس إلى الارتفاع الذي حدث في أسعار المحروقات التي تعتبر مصدر الدخل القومي الجزائري، ولكن هذه الأسعار بدأت في الانخفاض، كذلك فان الاقتصاد الجزائري تأثر بالأزمة المالية العالمية، وهو الأمر الذي يطرح شكوكا جدية حول إمكانيات نجاح الرئيس في تنفيذ الشق الاقتصادي من برنامجه الانتخابي، وهو ما يمكن أن يسبب مشكلات حقيقية لولايته الثالثة.
والمهمة الصعبة للرئيس في ولايته الثالثة تتعلق بكيفية إدارته للصراع على خلافته، فعلى الرغم من تعديل المادة 74 من الدستور الجزائري التي كانت تحول دون ترشيح الرئيس لأكثر من ولايتين، فان الحالة الصحية للرئيس كما بدت في ولايته الثانية تغرى النخبة الحاكمة في الجزائر بالسعي لخلافته، فكل عناصر وأعضاء هذه النخبة تسعى في معظمها لخلافة الرئيس حيث يسعى معظم كبار المسؤولين لان يصبحوا هم الشخصية رقم 2 داخل منظومة الحكم، وهذا الأمر يتطلب من الرئيس الإدارة الصحيحة للصراعات حتى لا تنعكس على أداء الدولة ويؤثر على هيبتها.
والمعروف أن عدد من كبار المسؤولين الجزائريين انخرطوا بقوة في حملة الرئيس من أجل إثبات أهليتهم لهذا الموقع القيادي كمقدمة لكي يصبحوا هم المرشحين المحتملين للرئيس في حالة حدوث أي مكروه له، أو لكي يصبحوا هم مرشحوا السلطة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
والأمر المؤكد هو أن الرئيس يريد تجميد الصراع سواء داخل الحكم أو داخل المجتمع، والمعارضة تسعى لأن تعيد حالة الحراك السياسي التي كانت سائدة في الجزائر في الفترة التي سبقت حكم الرئيس بوتفليقة وسيتوقف مستقبل الجزائر في المرحلة المقبلة على أي من الطرفين سوف ينجح في تحقيق هدفه.
كاتب مصري
