ما زال الشارع الكويتي منقسماً بين غير متفائل بنتيجة الانتخابات المقبلة وبين غير مكترث: وكلاهما يرى ان القادم ليس بأفضل من السابق. فالعديد من الكويتيين لا يتوقعون فارقاً كبيراً بين المجلس الذي حل في شهر مارس الماضي والمجلس الذي سينتخب في شهر مايو المقبل فيما يتعلق بالإصلاحات.

والواقع أن حل البرلمان الذي أطلق عليه حلاً غير دستوري (وهو مصطلح يبدو أنه غير موجود في قاموس السياسة الكويتية وأنه خطأ أصبح شائعاً) كان مصدره التوتر الذي نشب بين مجلس الأمة والحكومة برئاسة الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح.

وكان مصدر التوتر مجموعة من الاتهامات التي وجهت إلى الحكومة وعلى رأسها الفساد المالي، وقضية إزالة المساجد غير المرخصة والمبنية على أراض تابعة للدولة وضياع هيبة الدولة بتناقض القرارات وغيرها من المواضيع التي تطورت وتبلورت في شكل أزمة يصعب الرجوع عنها.

وحيث ان الدستور الكويتي يمنح أمير البلاد سلطات مطلقة في حل البرلمان فقد تم حله رغم عدم مرور عدة شهور على إعلانه. وقد لعب الإسلاميون الذي يسيطرون على أغلب مقاعده فيما يبدو دوراً كبيراً في الوصول إلى الباب المسدود. واتهمهم البعض بأنهم دفعوا البلاد إلى مأزق وطني.

بينما يدافع الإسلاميون عن مواقفهم بأنها مسألة مبادئ لا يمكن المساومة عليها. لقد شكل موقف الإسلاميين بعدم التراجع عن رأس مطالبهم بمساءلة رئيس الوزراء (وهذا الأمر لم يحصل من قبل في تاريخ البرلمان الكويتي) ومن ثم رفض الأخير الانصياع لهذا المطلب آخر ضربة للمطرقة في رأس المسمار الذي دق في نعش البرلمان السابق. ولم يتأخر أمير الكويت باتخاذ قرار حله والدعوة لانتخابات جديدة خلال شهرين أي في منتصف شهر مايو المقبل.

وبعدها انشغل الرأي العام الكويتي سواء في الشارع أو في الديوانيات أو في المقاهي بين مؤيد ومعارض ويائس. غير أن الجميع كان متفقاً على أن حل البرلمان قبل أوانه يعرض مصالح البلد للخطر، ويؤخر التنمية ويضعف الاقتصاد المحلي ويؤجل مشاريع الحكومة ويعرقل تنفيذ خططها وبالتالي يزيد من أعباء المواطن الكويتي في ظل الأزمة الاقتصادية وزيادة نسبة البطالة التي وصلت إلى أكثر من 5,5%.

بينما رأى آخرون ان الكيل قد طفح، وأن مساءلة الوزراء أمر واجب لكن مساءلة رئيس الوزراء خط أحمر يجب عدم تعديه. بينما رأى آخرون أنه كان ضربة قاصمة للمعارضة.

غير أن حل البرلمان لم يسكت المعارضة ولم يثنها عن عزمها. فإذا بها تتبنى بدلاً من موقف الدفاع خطة الهجوم الذي وصل أحياناً إلى حد التجريح الشخصي أو المساس بأمن الدولة من وجهة نظر الحكومة.

فمثلاً صرح النائب في البرلمان المنحل ضيف الله بورمية (نائب معارض ينتمي إلى الكتلة الإسلامية) في تجمع انتخابي بأن وزير الدفاع الشيخ جابر المبارك الصباح.

وهو أحد أبرز شخصيات عائلة الصباح الحاكمة في البلاد، «ليس كفؤاً» لتولي منصب رئيس الوزراء المقبل خلفاً لرئيس الوزراء الذي قدم استقالته، وذلك لأنه «ضعيف جداً». وعلى الفور قام رجال من الشرطة الكويتية باعتقاله. بعدها قام النائب خالد الطاحوس بزيادة الطين بلة عندما هدد بأن «القبائل الكويتية ستقاوم قوات الأمن إن هي حاولت التصدي لانتخابات القبائل الفرعية، المحظورة قانوناً». وتم اعتقاله بدوره.

في خضم تسارع الأحداث نحو أسوأ ما قد يتوقعه الشارع الكويتي وبغرض وضع الكرة في مرمى المعارضة وللخروج بمظهر المنصف والحكيم سارع أمير الكويت إلى عقد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء والذي عبر فيه عن «استيائه وأسفه إزاء ما تشهده الساحة السياسية من مظاهر الشحن وإثارة الفتن والنزعات الفئوية البغيضة»، واحتل الخبر العناوين الأولى في الصحف المحلية بل والعالمية.

بالطبع، فإن هذا الاجتماع سجل للحكومة نقطة أخرى ضد المعارضة التي ظهرت بمظهر العصا التي تعرقل عجلة التنمية. في الوقت الذي بدأ التململ يسود الشارع الكويتي من الطرفين، خاصة وأن الكثير من الشخصيات المؤثرة في الحراك السياسي والعملية الديمقراطية في الكويت بدأت تفكر في تجنب خوض التجربة من جديد في مثل هذه الأجواء المشحونة، ولقناعتهم بأن البرلمان القادم لن يكون بأفضل حال من سابقه. وبالتالي فإن القضية الجوهرية لن تحل، ففضلوا الانسحاب.

ولكن أكثر ما يرعب المواطن الكويتي في السنوات الأخيرة وبعد سخونة حرارة الجو الديمقراطي (وخاصة منذ سقوط نظام صدام حسين وتوسع دائرة النفوذ الإيراني) هو الوقوع في فخ الصراع المذهبي كارتدادات طبيعية للهزات البرلمانية الحالية والسابقة وكنتيجة حتمية للاستغلال غير الحميد للحرية التي يمنحها الدستور للمواطن الكويتي من خلال التعبير الحر عن مواقفه وآرائه. وربما أراد البعض أن يعزف على هذا الوتر باستخدام حصان الطائفية للوصول إلى مقعد في مجلس الأمة.

بالطبع هذه المحاولات الدخيلة على المجتمع الكويتي محدودة ومكتوب لها الفشل لأن الكويتيين بجميع طوائفهم قد يختلفون في الآراء والمواقف ولكنهم متفقون على إبقاء الكويت نائية عن أي تدخل أجنبي في شؤونهم الداخلية وبعيدة عن أي صراع قد يحول وطنهم في المستقبل إلى حلبة تصفية حسابات خارجية كما حدث في لبنان.

أما ما يمكن أن يعتبر خطوة جريئة أثناء حديث أهالي الكويت عن أزمة البرلمان هو أمل المرأة الكويتية في الحصول على مقعد يمثلها في مجلس الأمة. وإلى الآن هناك ما يقارب من خمس مرشحات تقدمن بأوراق ترشيحهن إلى إدارة شؤون الانتخابات في وزارة الداخلية.

وهذه قضية تضاف إلى معترك المنافسة للوصول إلى التمثيل النيابي في الكويت. فهل تتغير ملامح البرلمان القادم؟ أم أنه سيحكم عليه بالفشل مرة أخرى وأخيرة؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com