مازال ذلك الإقليم ـ الذي احتار آباؤه المؤسسون في تسميته عندما سعوا للانفصال عن الهند بالمقاطعات الثلاث التي تحتوي على أغلبية مسلمة حتى اتفقوا في الأخير على فكرة استعارة الحروف الأولى من أسماء المقاطعات المنفصلة فتكونت من هذه الحروف كلمة باكستان التي قامت في عام 1947 كدولة مستقلة تعاقب على حكمها حكومات مختلفة تراوحت ما بين المدنية تارة والعسكرية تارة أخرى ـ يعيش قدراً كتب عليه عدم الاستقرار في بيئة قامت على بنية تناقضات مختلفة حتى بات الكثير من المتابعين يتحدثون اليوم عن خطيئة الولادة.
في الفترة الأخيرة تعالت الأصوات متنبئة لهذه الدولة بالفشل حتى أصبحت تعتلي تصنيف قائمة الدول الفاشلة في العالم وذلك لعوامل كثيرة يأتي على رأسها ضعف سلطة الدولة في فرض شرعيتها على جميع الإقليم الباكستاني وضياع صناعة القرار السياسي بين فئات كثيرة تحاول أن تجد لها شرعية في باكستان وخاصة من قبل الجماعات الإسلامية التي أصبحت تمثل دولة داخل دولة.
باكستان اليوم أصبحت تغلي كالبركان الذي يتوقع انفجاره في أي لحظة، فهي تعيش تحت وقع التهديدات والاضطرابات والمظاهرات والفساد والفقر والجريمة وتهريب المخدرات، وباتت نتيجة لهذا الوضع الفاشل الخطير محط اهتمام دولي وأميركي على وجه الخصوص، ففي 27 مارس الفائت صرح الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن حدود باكستان مع أفغانستان هي الآن أخطر مكان في العالم.
من هذا المحور كان لا بد أن تكون باكستان أحد أهم بؤر اهتمام دول الخليج العربي. فدول الخليج ترتبط بالجار الباكستاني بعلاقات تتعدد محاورها لتشمل السياسية والعسكرية والاقتصادية والجوار الجغرافي والعمالة، وأي فشل وعدم استقرار يكتب لهذه الدولة لا بد أن ينعكس بالتأثير السلبي على دول الخليج وخاصة على أمنها واستقرارها.
فسقوط باكستان يعني أموراً كثيرة منها أن سقوط ذلك البلد يفتح المجال أمام التوغل الإيراني الشيعي فيه وبالتالي اتساع دائرة النفوذ الإيراني وتزايد تهديدها؛ وسقوط باكستان يعني أيضاً توغل طالبان أفغان واتحادهم مع طالبان باكستان وبالتالي سيطرة الإسلام الإرهابي المعادي للأنظمة الخليجية على منافذ الحكم في باكستان؛ وسقوط باكستان يعني كذلك ورقة رابحة للجار الكبير الهند، التي لن تألوا جهداً في استرجاع الإقليم المتنازع عليه.
وبالتالي التصادم مع الإسلاميين فالحكومة الباكستانية اليوم تعد بمثابة صمام الأمان الذي يقف حاجزاً بين الجماعات الإسلامية وبين الهند؛ كذلك فإن تصنيف باكستان على رأس قائمة الدول الفاشلة سيلقي بظلاله على مستقبل العمالة الباكستانية والتي يقدر عددها حوالي 7,1مليون نسمة في دول الخليج العربي .
والتي يمكن أن تساهم في زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة في حالة تأثرها بضعف دولتها أو فشلها أو سقوطها؛ لذلك فإن دول الخليج العربي مطالبة اليوم بأن تعمل وبكل جدية وفق رؤية واستراتيجية معينة تحددها الدول مجتمعة إزاء الوضع في باكستان.
ولعل المتابع للعلاقات الخليجية ـ الباكستانية يلحظ جلياً ان هذه العلاقات تتمحور أساساً حول الجانب العسكري بالدرجة الأولى، فخلال الأعوام الممتدة من 1970 وحتى عام 1980 ارتبطت باكستان بعلاقات عسكرية ودفاعية مع معظم دول الخليج، وربما يرجع ذلك إلى طبيعة الدور الشرطي الذي كانت تؤديه باكستان في إيقاف المد الشيوعي في المنطقة.
كما برز دور باكستان في حرب الخليج الثانية عندما أرسلت أكثر من 11 ألف جندي إلى المنطقة، ورفض الرئيس نواز شريف في تلك الفترة الاستجابة لمطالب المعارضة في سحب الجنود حيث كانت تطمح باكستان في لعب دور محوري في الترتيبات الأمنية الخليجية يساعدها على استعادة ثقلها الإقليمي.
كما ارتبطت باكستان باتفاقيات أمنية مع دول الخليج تكون مسؤولة بموجبها عن عدة مجالات مختلفة منها التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتبادل وصيانة نظم الأسلحة والمعدات العسكرية. كذلك لا يمكن إغفال التفاعل بين النخبة الحاكمة في كل من باكستان ودول مثل السعودية والإمارات، حيث استضافت هاتين الدولتين في فترة من الفترات نواز شريف في السعودية وبنازير بوتو في الإمارات حينا كانا في فترة المنفى.
ومنذ أحداث سبتمبر 2001 ضعفت العلاقة الباكستانية مع دول الخليج وذلك ربما يعود إلى ظروف الحرب على الإرهاب والتي قادها برويز مشرف معتمداً في ذلك على الولايات المتحدة الأميركية لتلبية احتياجاته الأمنية خاصة أنه كان يفتقد إلى الشرعية المحلية. تغيرت الظروف مع الحكومة الباكستانية الراهنة والتي راهنت على خيار تحقيق مفهوم الأمن الاقتصادي كبديل عن الأمن العسكري الذي لم يجلب على باكستان إلا مزيداً من الدمار والخراب والفساد.
الأمن الاقتصادي ينطلق من مبدأ تحقيق قدر من الرفاهية الاقتصادية للشعب وذلك من خلال الحد من معدلات الفقر والبطالة، والذي يتطلب في الوقت نفسه فتح باب الاستثمارات الأجنبية وتقديم سلسلة من الضمانات والتسهيلات لها. باكستان اليوم ووفق هذا المنظور الأمني الجديد ترى أن أفضل شريك لها في هذه المعادلة الأمنية هي دول الخليج، دول الخليج يمكن أن تساهم في ذلك إذا ما حصلت على الضمانات المطلوبة خاصة في بيئة تحفها المخاطر من كل جهة.
وفي الواقع لا بد من الإشادة في هذا المجال بدور دولة الإمارات التي تعتبر من أكبر المستثمرين في الاقتصاد الباكستاني حيث يقدر حجم الاستثمار الإماراتي منذ بداية العام الجاري بأكثر من 7 مليارات دولار، فيما يقدر حجم الاستثمارات الإماراتية خلال السنوات الأربع الماضية بأكثر من 5 ,9 مليارات دولار ومن المتوقع أن يصل حجم الاستثمار إلى 15 مليار دولار.
كما شهدت الدبلوماسية الإماراتية مؤخراً حراكاً سياسياً واقتصادياً يصب في مصلحة باكستان تمثل في لقاء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد مع ريتشارد هولبروك الموفد الأميركي الخاص إلى أفغانستان وباكستان وتأكيد سموه حرص الإمارات على لعب دور مهم في تحقيق الاستقرار في كل من باكستان وأفغانستان وذلك من خلال تقديم الدعم الاقتصادي.
كما استضافت الإمارات في الشهر الماضي اجتماع أصدقاء باكستان والذي ضم مجموعة من الدول التي تعهدت بتقديم الدعم الاقتصادي لباكستان، كما كان هناك حراك سياسي واقتصادي بين المسؤولين في كلا البلدين لتعزيز العلاقات العسكرية والاقتصادية. الملاحظ أن تحركات الدول الخليجية تأخذ البعد الفردي لبعضها، ولا وجود فاعل للدول الخليجية الأخرى.
وهو أمر غير مساعد بالطبع على تحقيق المصلحة الخليجية فيما يتعلق بباكستان. دول الخليج بحاجة إلى أن تتحرك كمنظومة واحدة تجاه تعزيز الوضع الاقتصادي والسياسي في باكستان وذلك وفقاً لاستراتيجية محددة تأخذ في الحسبان مصالح الطرفين، وفي اعتقادنا فإن مثل هذا التحرك لن يأتي إلا وفق قناعة الدول الخليجية بأن باكستان تمثل مصلحة خليجية لابد وأن تستثمر فيها طاقاتها المختلفة من أجل تأمين سلامة هذه المصلحة.
كاتبة إماراتية