في بدايات القرن العشرين، برزت مجموعة من صناع القرار والكتّاب والمؤثرين في المجتمع المصري من أمثال سعد زغلول، وقاسم أمين، وهدى شعراوي وغيرهم، للمطالبة بتحرير المرأة. فسار على نهجهم الكثير، وعارضهم الكثير أيضاً. ومن المؤسف أن المطالبة بتحرير المرأة كانت كلمة حق أريد بها باطل، فالذين طالبوا بها بدأوا بدعوة المرأة بخلع حجابها بحجة أن الحجاب ليس من الدين، وعوضاً عن مطالبتهم بحق المرأة في التعلم والعمل، فإنهم وضعوا الحجاب حجر عثرة في سبيل تحررها وتقدمها.

فكان من الطبيعي أن ينبري لهم من يعارض ويهدد، بل إن الجماعات الإسلامية، التي كان مفهومها في بداية تكوينه الأيديولوجي حينئذٍ، استغلت محاربة مفهوم تحرير المرأة لتجييش آلاف المؤيدين لها، في تلك القضية وغيرها. وكانت النتيجة بعد ذلك اللغط هي أن المرأة بقيت على حالها ولم تتحرر، وأعني هنا الحرية الفكرية والاجتماعية التي تضمن لها حقها ومكانتها في المجتمع، بما لا يتعارض مع قيم الإسلام وتعاليمه.

لقد تأثرت معظم الدول العربية بتلك الأزمة، بما فيها دول الخليج التي وصلها التأثر في فترة متأخرة، فقامت بعض العائلات الخليجية بخلع الحجاب والعباءة عن بناتهن وفرضن عليهن أن يلبسن كما تلبس النساء في أوروبا حتى يتماشين مع العصر ويصبحن منتجات ومؤثرات في المجتمع. ومرت الأيام دون أن يصبحن منتجات أو مؤثرات، فآثر كثير منهن أن يعدن للبس الحجاب ويتسترن بالعباءة.

لقد كان الخاسر الأكبر في تلك الدوامة هي المرأة العربية والخليجية خاصة، حيث اتخذ المجتمع الخليجي بشكل عام موقفاً سلبياً من هذا المفهوم الذي ارتبط في الأذهان بقاسم أمين وبخلع الحجاب. وما زاد الطين بلّة أن العلاقة أساساً بين الرجل والمرأة في الخليج علاقة ليست صحيّة، فالرجل لقّن منذ طفولته بأن الحديث مع المرأة عيب وفي كثير من الأحيان حرام، وعليه ألا يحاول أن يتواصل معها حتى وإن كان لحاجة بريئة، وإلا سوف يقبض عليه بتهمة التحرّش. وتمر السنون وتتحول المرأة بالنسبة للرجل الخليجي إلى لغز يجب حلّه، أو كنز يجب استخراجه، لتصبح الممنوع المرغوب.

ولتكون الهاجس الرئيس في خيالات الشباب وأحلامهم. أما هي، فلقد لقّنت منذ نعومة أظفارها أن الحديث مع الرجل لحاجة أو لغير حاجة أمر غير جائز شرعاً، وأن خروجها من البيت لا تبيحه إلا الضرورة القصوى، فالرجال كامنون في كل مكان يتربصّون بها الدوائر، ونواياهم سيئة دائماً، ليتحول الرجل في ذهن الفتاة الخليجية إلى ذئب يتحين الفرصة لينقض عليها. وكنتيجة لهذا كلّه، تحوّلت حرية المرأة إلى مفهوم سلبي لدى الطرفين.

يخبرني أحد أصدقائي بأنه لا يعرف شكل ابنة عمّه، فمنذ أن بلغ الحلم تم منعه من رؤية أي من بنات عمّه، مع العلم بأن ابنة عمّه هذه تعمل في مؤسسة حكومية وتتعامل مع مراجعين وزملاء رجال كل يوم. أما إذا ما اجتمعت العائلة يوم الجمعة أو أيام المناسبات، فإن كل الرجال في بيت العائلة يصبحون في قائمة المحظورين! أستغرب ذلك ونحن نعيش في عصر يمكن للفتاة أن تتواصل فيه مع العالم أجمع عبر الإنترنت ـ وبدون محرم أيضاً ـ كما يمكن للشاب أن يرى جميع صنوف النساء على شاشة كمبيوتره وهو جالس في البيت.

وأستغرب جداً عندما يحاول البعض أن يربط بين هذه التقاليد التي ورّثت إلينا وبين الدين، في محاولة يائسة لإيجاد مخرج شرعي لهاّ! لماذا لا يحدثنا هؤلاء عن المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة ويشرحون لنا كيف كانت العلاقة بين الرجال والنساء آنذاك! ذلك المجتمع الذي يفخر بنسائه المسلمون الأوائل ـ كخديجة وعائشة وحفصة رضي الله عنهن ـ بينما ويخجل البعض اليوم من ذكر أسماء أمّهاتهم أو زوجاتهم في العلن!

إن الفكر العقيم الذي يضع المرأة دائماً في دائرة الشك، ويضع الرجل في دائرة الاتهام، لا يمكن أن يكون الإسلام الحنيف مصدراً له، حتى وإن تجرأ البعض وأفتى بفتاوى تصوّر المرأة وكأنها كائن خلق لقضاء حاجة فقط، فإن ذلك لا يعني أن المجتمع عليه أن يقبل بكل ما يقال. لقد خلق الله لنا عقولاً لنفكّر بها ونحلل بها حتى نصل إلى الحقيقة، ولم يخلقها لكي تقوي لدينا حاسة السمع والطاعة التي يطالب بها من لهم مصلحة في جعل الدين أداة لأغراض شخصية.

إننا نعيش في زمن المفارقات، فزمن يفتى فيه بوجوب قتل «ميكي ماوس» الشخصية الكارتونية التي أسعدت العالم، هو زمن لا يمكننا أن نركن فيه عقولنا لهؤلاء الذين ينظرون للحياة من منظار ضيق جداً. وفي زمن المفارقات هذه علينا أن نعيد النظر في علاقتنا مع المرأة، ونعيد تقييم ما سمعناه ونحن صغار عن مكر المرأة وعن أنها مصدر الفتنة، ولكي نصل إلى الحقيقة فإننا يجب أن نبحث ونتعلم. يقول سقراط: «العلم فضيلة والجهل رذيلة».

ولكي نصل إلى الحقيقة فإننا في حاجة لاكتشاف أنفسنا لكي نستطيع أن نتصالح معها، فنحن نسعى لمعرفة العالم من حولنا وننسى أن معرفتنا لأنفسنا هي الأهم لأنها ستقودنا لمعرفة كل شيء آخر. يقول الله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» فمعرفة النفس تقود إلى الفضيلة، والفضيلة هي التي تنشر الاستقرار والتوازن والسلام في أي مجتمع.

في زمن المفارقات تقف مجتمعاتنا على مفترق طرق، فإما أن نعيد تقييم المرحلة الماضية لنتحاشى أخطاءها ونبدأ من جديد، وإما أن نسلك نفس الطريق القديمة التي أوصلتنا لما نحن فيه. ولذلك، فإنه علينا أن نسأل ونتساءل عما يجوز وما لا يجوز، حتى لا تذهب الأجيال القادمة ضحية أخرى لمن يعتقدون أن الخير في الماضي والشر في الحاضر والمستقبل، ومن يعتقدون أيضاً أن الموت دائماً أفضل من الحياة.