يرى البعض أن صرعة الاستهلاك التي طغت على الأسواق خلال العقدين الماضيين تطلبت المزيد من السلع والأموالِ الضرورية لاقتنائها. وهذا ما استدعى إصدار المزيدِ من الأوراق النقدية والترويج لما يعرف بالمال الافتراضي أي الأسهم والسندات والعقود الآجلة.

وهذه بدورها تباع مراتٍ عديدة وبنسبةِ ربحٍ معينة كلَ مرة، الأمر الذي يؤدي إلى انهيار البنى المالية ويفجر الأزمات، كما ظهرت فئة كبيرة من الأثرياء الجدد أصحاب الثرواتِ الخيالية وخاصة في الدول الخارجة من عباءة المعسكر الاشتراكي السابق الذين جمعوا ثرواتهم عن طريق أنشطة غير مشروعة، وقد ذهب هؤلاء الأثرياء الجدد يشترون الجزر واليخوت والطائرات.

بينما بسطاء الناس يأخذون من البنوك قروضاً صغيرة ويُنفقونها دون حساب. ومع ذلك يقول الخبراءُ الاقتصاديون إن استئناف الطلب هو الوحيد القادر على إنقاذ الاقتصاد الغربي. وانسجاماً مع هذه المقولة يَجري في بلدان الغرب تسديد ديون المفلسينْ ومنح قروضٍ بلا فوائد. وهذا يعني عملياً توزيعَ الأموال على الناس مقابل لا شيء أي لمجرد أن يقتنوا بواسطتها سلعاً ما. الأمر الذي يزيد من غموض آفاق الخروج من الأزمة.

روسيا تشكل حالة خاصة في الأزمة حيث أن تخلفها الصناعي يمنحها الفرصة لتجاوز المصاعب بسرعةٍ أكبر، رغم ما ينطوي عليه ذلك من مفارقة، ويقول الرئيس الروسي ميدفيديف ان الاقتصاد الروسيَ الآن يختلف جذرياً عما كان عليه سابقا وأن الدولة أصبحت أكثر التزاماً بواجباتها تجاه المجتمع. لكن الواقع يكشف غير ذلك ويشير إلى أن الاقتصاد الوطني الروسي ما زال يعتمد أساساً على الصادرات النفطية.

كما يشير إلى زيادة هيمنة الدولة وسلطاتها وتضخم جهاز الدولةِ البيروقراطيِ في السنوات الأخيرة وكذلك استمرار رواتب المسؤولين بالارتفاع بغض النظر عن الظروف الاقتصادية. كما أن الدولة تنفق أموالاً ضخمة على مؤسساتٍ حكوميةٍ مشكوكٍ بجدواها. وتخصص قروضاً كبيرة لدولٍ أجنبيةْ بغرض تحسين صورة روسيا في الخارج.

مشكلة الدين الروسيِ الخارجي تزداد تفاقماً رغم تطمينات السلطات بشأن تسديد تلك الديون. حيث أن إجمالي الدينِ الخارجي تجاوز العام الماضي 450 مليار دولار، أي ما يقارب مجمل احتياطي البلاد. وهذا الدين ليس حكومياً بالكامل، بل ان ديون شركاتِ القطاعِ المشترك تشكل الجزء الأكبر. وتسديد ديونِ تلك الشركات سيقع على عاتق ميزانية البلاد. أي أن الشعب الروسي هو الذي سيتحمل تكاليف البذخ الذي يمارسه مسؤولو الشركات.

الأزمة المالية الراهنة كان لها رد فعل تسلسلي على جميع قطاعات الاقتصاد الروسي. ويبدو أن حجم الإنتاج الصناعي يتدهور بوتيرةٍ متسارعة ما بات يهدد مدناً بأكملها. وأن ربع المواطنين يقطنون في مدنٍ تعتمد بشكل كامل على عمل منشأةٍ صناعية واحدة أو اثنتين، ويذهب بعض المراقبين إلى أن العديد من الاقتصاديين توقعوا أن تسلك روسيا طريقاً يختلف عن طريق بقية الدول.

وكانوا يأملون بأن تكتفي الشركات الروسية بتقليص رواتب موظفيها دون اللجوء إلى تسريحهم، إلا أن تلك التوقعات لم تتحقق على أرض الواقع، بل أن 80 ألف مواطن يفقدون أعمالهم كل أسبوع. ويقترح الخبراء أن تُخصص الدولة الموارد المتوفرة لديها لمن هم بأمس الحاجة لها. وتخصيص جزءٍ من الميزانيةْ لدعم برامجِ التقاعدِ المبكر ومشاريع إعادة توطين الأسر وتأمين العمل. أما جيل الشباب فعليه أن يتدبر أموره بنفسه، خاصةً أن الأزمةَ الحالية ستعيد خلط الأوراق، مما سيفتح للشباب الطريق نحو فرص أفضل.

يجب على روسيا أن لا تطمئن نفسها بمقولة أن «أوضاعنا في الأزمة أفضل من غيرنا»، فهذا في حد ذاته خداع واضح للنفس، في النهاية الأزمة لن تطول كثيرا وسوف تنتهي بعد عام أو عامين على الأكثر، وستبقى تداعياتها وتأثيراتها، خاصة في الدول التي لم تتعامل معها بجدية وحذر، وروسيا للأسف حتى الآن من هذه الدول، بينما الأوروبيون يخططون من الآن لما بعد الأزمة، ولهذا نخشى أن تخرج روسيا من الأزمة أضعف منها أثناءها.