المصالحة العربية التي بادر إليها العاهل السعودي خلال قمة الكويت الاقتصادية وتابعها باتصالات وزيارات مباشرة، بين الرياض ودمشق، وساهم فيها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، وحصلت على دفعة أخرى في القمة العربية بالدوحة، هذه المصالحة التي لم تستكمل بعد، أصيبت بانتكاسة على خلفية ما بات يعرف بقضية خلية حزب الله في مصر، والتي اتسعت حدتها لتؤدي إلى تصعيد التوتر بين إيران ومصر.

القضية التي تتواصل تداعياتها وردود الأفعال عليها، لا تفتح فقط ملف العلاقات العربية، والإقليمية، وإنما أيضاً ملفا خطيرا ظل لسنوات طويلة محل تجاهل وربما مجاملات، وهو ملف العلاقة بين الأنظمة العربية وحركات المقاومة، وتالياً مدى التلاقي والتعارض بين استراتيجيات السلام، والمقاومة، فضلاً عن أنه يتصل بشكل غير مباشر بمجريات الحوار الفلسطيني لإنهاء الانقسام الذي ترعاه القاهرة، وربما ملف الانتخابات اللبنانية.

القضية التي فتح ملفها النائب العام المصري علنياً، واتهم خلالها حزب الله بتبنيه خلايا تخل بالأمن القومي المصري، هذه القضية اتسعت من حيث عدد المشتركين فيها، وأنواع العمل الذي يقومون به. فبعد الإعلان عن اعتقال اللبناني من حزب الله، حسب اعتراف السيد حسن نصر الله زعيم الحزب، باعتباره المسؤول الأول عن مجموعة تضم واحداً وأربعين مصرياً وسبعة فلسطينيين، بعد ذلك الإعلان جرى الإعلان عن إلقاء القبض على شخص آخر متهم بتهريب الأموال لصالح حركة حماس عبر شبكة الأنفاق بين القطاع ومصر.

الحديث يدور عن ضبط أموال، ومتفجرات، وجوازات سفر، وبطاقات هوية مزيفة، وتتسع الإجراءات المصرية لتشمل محافظة شمال سيناء، وقطاعا واسعا من البدو، فضلاً عن تشديد الرقابة على ما تبقى من شبكة الأنفاق التي تستخدم لتهريب البضائع والأموال والمعدات العسكرية حسب الادعاء المصري، وبعد أن دمرت إسرائيل عدداً منها خلال وبعد عدوانها على قطاع غزة الذي بدأ في 27/ 12/ 2008 واستمر لثلاثة أسابيع.

مصادر المعلومات المصرية تقول إن خلية اللبناني المعتقل سامي شهاب قد خضعت للملاحقة الأمنية خلال الشهرين الأخيرين من العام الماضي، وشهر يناير هذا العام، وأن شهاب كان في الأصل قد وصل إلى القاهرة منذ أربع سنوات، في إطار مهمة للقيام بعمليات ضد إسرائيل رداً على اغتيال القائد في حزب الله عماد مغنية الذي اغتالته إسرائيل في سوريا، وبأن تحولاً طرأ على مهمته بحيث ركز عمله في اتجاه مساعدة حركة حماس في قطاع غزة، من خلال تهريب الوسائل القتالية والأموال، وتدريب العناصر.

السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله كان قد اعترف صراحة بعضوية سامي شهاب للحزب، وأكد أنه يقوم بمهمات لوجستية لصالح المقاومة الفلسطينية، واعتبر أن ما قامت به أجهزة الأمن المصري، إنما يخدم إسرائيل.

السيد نصر الله اعترف عملياً ببعض ما جاء في ادعاءات النائب العام المصري، لكنه اعتبر أن ما يقوم به سامي شهاب، عمل مشروع لدعم المقاومة. وهنا يدخل الأمر في جدل الشرعية، بين عمل مقاومة لصالح فلسطين، وبين حدود سياسة مصر، وفهمها لأمنها القومي، ومدى تعارض العمل لصالح المقاومة حتى وإن كانت هذه المقاومة تقع خارج الجغرافية السيادية لمصر، مع استراتيجية السلام التي يلتزم بها بقوة النظام المصري، فضلاً عن التزامه بمترتبات اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها مع إسرائيل قبل ثلاثين عاماً.

وقد لاحظنا بعضاً من هذا الجدل واتخذ طابعاً صاخباً أحياناً، حين شنت إسرائيل حربها على لبنان في يوليو 2006، وأيضاً حين شنت إسرائيل حربها على قطاع غزة نهاية العام الماضي، وعلى نحو دبلوماسي على مستوى النظام العربي الرسمي بين سوريا التي ترى أن المبادرة العربية قد انتهت ولا ينبغي التمسك بها، وبين أطراف محور الاعتدال، الذين يتمسكون بها ويسعون إلى تفعيلها كما حصل في قمة الدوحة وفي الاجتماع الوزاري العربي الذي انعقد مؤخراً في عمّان.

في كل الأحوال، قضية خلية حزب الله تفتح الباب أمام مثل هذا الجدل الذي يدور حول العلاقة بين المقاومة والنظام، بما في ذلك العديد من الدول العربية، وهو مفتوح أصلاً في لبنان وحوله يدور حوار ساخن بين الموالاة والمعارضة، كذلك الحال في فلسطين إذ لاحظنا مؤخراً أن عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رباح مهنا، يستخلص أن ثمة صعوبة بالغة في الجمع بين الحكم والمقاومة، وكان حديثه موجهاً لحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، وبعد أن جرى تأجيل المرحلة الثالثة من الحوار الفلسطيني على خلفية عمق الخلافات.

حركة حماس نفت أن تكون لها علاقة بملف سامي شهاب، ولكن كل الخيوط في القضية تقود إليها، فالأموال والوسائل القتالية والتسهيلات اللوجستية، بحسب الادعاءات المصرية وأيضاً بحسب ما ورد من اعترافات حتى الآن، كلها تقول إن هؤلاء كانوا يعملون لصالح حركة حماس في قطاع غزة.

إزاء هذا الملف، لا يمكن بأي حال أن تقفز عن سؤال توقيت الإعلان والإجراءات الأمنية المصرية التي لحقت به، والأرجح أن التوقيت مرتبط بالانتخابات اللبنانية وبعدم نجاح الجولة الثالثة من الحوار الفلسطيني، وقبل انعقاد الجلسة الرابعة والحاسمة في السادس والعشرين من هذا الشهر. بمعنى آخر فإن التوقيت ينطوي على غضب مصري بسبب تمسك حماس بمواقفها خلال الحوار، واتخذ هذا الغضب طابعاً سلوكياً، إجرائياً، بالإضافة إلى أنه يحمل معنى الرسائل المباشرة، وممارسة الضغط على حماس من أجل تغيير مواقفها خلال الحوار المقبل.

وفي الواقع فإن ما ورد حتى الآن من رسائل مصرية لحزب الله ومن يقفون إلى جانبه، ولحركة حماس، ليس سوى مقدمات ونماذج لما يمكن لمصر أن تقوم به، مما يعني أن حركة حماس تواجه وضعاً صعباً، فهي لا تستطيع التنازل عن مواقفها التي تشكل هويتها، وفي الوقت ذاته يترتب عليها أن تواجه وضعاً أشد صعوبة مما هو عليه الواقع القائم وهو صعب بكل الأحوال، فيما لو اعتبرها المصريون المسبب في فشل الحوار.

أما بعد دخول إيران على الخط من باب إدانة الموقف المصري، الذي يتصل بملف سامي شهاب وحزب الله والمقاومة، فإن القضية تفتح على احتمالات التصعيد وتوتير الأجواء العربية والإقليمية، بما يهدد المصالحات العربية الهشة.