بعد انتهاء الحرب الباردة طلع علينا المحافظون الأميركيون الجدد بنظريات استعراضية بدون منهجية علمية أو أساس موضوعي، فتبنى فوكوياما الأميركي من أصل ياباني نظرية نهاية التاريخ التي تعني أن النظام الرأسمالي هو نظام أبدي يطور نفسه بنفسه على شكل لولبي صاعد لا يتوقف ولا يفسد وله طابع الديمومة والثبات حتى نهاية التاريخ.
كما قال صموئيل هنتنغتون المفكر الأميركي بنظرية صراع الحضارات التي ترى أن الحضارات الإنسانية في صراع دائم فيما بينها وأن مرحلة صراعها المقبلة هي بين الحضارة الغربية (الرأسمالية) بمختلف جوانبها الثقافية والقيمية والاقتصادية وبين الحضارتين الإسلامية والصينية، وأن الصراع الرئيس الحالي في هذه المرحلة هو بين الحضارة الغربية من جهة والحضارة الإسلامية من جهة أخرى.
وفي ضوء ذلك حذر هنتنغتون من مخاطر الحضارة الإسلامية الآن وفي المستقبل، ورأى فيها تهديداً جدياً للحضارة الغربية، وفتح الباب لكل موتور في الغرب وغير الغرب في أن يتهم هذه الحضارة بأية تهمة يريد بدءاً من التخلف ووصولاً إلى الإرهاب.
خلال سنوات قليلة بدأت نظرية صراع الحضارات تنهار شيئاً فشيئاً بعد أن فقدت صدقيتها وأثبت الواقع خطلها، وبعد أن سفهها معظم مفكري ومثقفي وسياسيي العالم، حتى أن هنتنغتون نفسه أخذ يتراجع عنها وعبر عن ذلك قبيل وفاته في العام الماضي.
ومن جهة أخرى فإن الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية التي يشهدها عالمنا والتي هي في الواقع أزمة في الرأسمالية العالمية أكدت بدورها تهافت نظرية ديمومة النظام الرأسمالي حتى نهاية التاريخ وأثبتت أن أزمة الرأسمالية ممكنة في كل حين، وأنها تتفاقم يوماً بعد يوم.
مما يجعل الشكوك حول أزمتها الكبرى يقينية، وفي ضوء هذه المعطيات والمؤشرات التي قدمها الواقع خلال بضع سنين يمكن الافتراض أن نظريتي نهاية التاريخ وصراع الحضارات هما مجرد نظريتين لم يثبت الواقع والتطور صحتهما، وأن البناء عليهما إنما هو بناء على افتراضات.
حاولت الفئات الحاكمة في الغرب الالتفاف على هاتين النظريتين بعد أن شجبهما المفكرون والسياسيون وذوو الرأي في بلدان العالم المختلفة وخاصة في البلدان العربية والإسلامية وبدأت هذه الفئات تغيير آرائها ظاهرياً تجاههما، وتكثيف تصريحاتها.
وشن حملات من التزلف ومضاعفة الحديث عن حوار الحضارات بدلاً من صراعها، ثم طلع علينا أنصار صراع الحضارات السابقون في مؤتمر اسطنبول في الأسبوع قبل الماضي بموضوع جديد هو تحالف الحضارات، ولعله خطوة متقدمة على الحوار، مما يعني أنهم اتجهوا نحو مزيد من الرفض لمواقفهم السابقة. وقد حضر المؤتمر (1500) مشارك من مختلف بلدان العالم، وهو المؤتمر الثاني الذي يعقد في هذا الإطار.
إنه من المهم للبلدان العربية والإسلامية أن يقتنع الغرب حكومات وشعوباً بأهمية حوار الحضارات وتحالفها فعلاً لا قولاً، وأن يتخلى عن شعاراته التي استجدت بعد انتهاء الحرب الباردة والمتعلقة بصراع الحضارات، وأن يرى الغرب وأنصاره في الحضارة العربية خاصة والإسلامية عامة حضارتين غنيتين إنسانيتين مبنيتين على التسامح وفهم الآخر وقبوله والتعاون معه، وأن يبعدوا تهم الإرهاب والعنف عن هاتين الحضارتين.
ولكن ذلك لا يتحقق من خلال المؤتمرات أو التصريحات الصحافية أو التزلف وإنما من خلال موقف جديد جدي نظري وعملي من هاتين الحضارتين، ورغبة صادقة وإرادة ثابتة في التعاون معهما لخدمة الحضارة الإنسانية والتطور الحضاري والعدل والسلام والتعاون بين الشعوب، ويتعذر الوصول إلى هذا الهدف إلا بتطبيق خطط وتنفيذ سياسات تربوية وإعلامية وثقافية تشارك فيها وسائل الإعلام والثقافة والتربية في المجتمعات الغربية.
في إطار منهجية جادة وإشراف مسؤول، ورغبة أكيدة في تغيير الصورة النمطية القائمة لدى الشعوب الغربية عن الحضارة العربية الإسلامية، وإحداث تراكم ثقافي جديد من شأنه تغيير هذه الصورة وغرس مفاهيم جديدة، وإن لم يفعلوا ذلك فمن الصعب إخراجهم من دائرة النفاق والتدليس.
مازالت سياسات وسائل الإعلام والثقافة في المجتمعات الغربية والمناهج المدرسية في هذه المجتمعات تصف العرب بأنهم شعب فظ وخطر ومتخلف، يؤمن بالخرافات والإرهاب، وأن العرب عنصريون وأشقياء، وتملأ أقوال مستشرقيهم طيات الكتب وتدرس في المدارس حتى أن بعضها يؤكد أن الاستعمار (أمر مشروع لأنه يشخص الضعف الكامن في الشعوب المستعمرة، وبدلاً من إبادتها يمد لها يد الحضارة).
في الوقت الذي تشير فيه مناهجهم ووسائل إعلامهم إلى أن (إسرائيل قوة ديمقراطية عصرية، ومدعاة استقرار في هذه الزاوية الفوضوية والمتخلفة تخلفاً قاسياً). وفي إطار تطبيق هذه السياسيات والمواقف يصعب التكهن بأن الغربيين غيروا مواقفهم فعلاً ما لم تتغير هذه الثقافات وتمارس بدلاً منها سياسات جديدة ومفاهيم جديدة وقيماً جديدة تحاول تغيير الصورة المشوهة التي تكونت عن الحضارتين العربية والإسلامية خلال مئات السنين، وعندها فقط يمكن الحديث عن حوار الحضارات وتحالف الحضارات.
إن العرب والمسلمين يريدون بدون شك حوار الحضارات ويرفضون القول بصراعها، ولكن ذلك لن يتحقق في حيز الواقع إلا بإزالة التراكم من الأفكار الخاطئة والمشوهة عن هاتين الحضارتين التي تلقنتها المجتمعات الغربية خلال ألف عام. وإلا فإن كل ادعاء بالعمل للحوار والتحالف هو ادعاء باطل وموقف سياسي تكتيكي عارض.
