في حملته الانتخابية، تطرق باراك أوباما، إلى أحد أخطر القضايا التي تتعلق بالأمن القومي الأميركي، وهي الاحتفاظ بالسلاح النووي، أو التخلي عنه، أو عن جزء كبير منه. فقد وعد ناخبيه بالسعي نحو عالم خالٍ من هذا السلاح. إلا أنه أشار، أيضاً، إلى أن على الولايات المتحدة، أن تحتفظ بقدرة ردع نووية، طالما بقي السلاح النووي لدى بعض الدول.
أوباما لم يعد مرشحاً للرئاسة يكيل الوعود لناخبيه، فقد مضى شهران على دخوله إلى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة.
وها هو، في أول جولة طويلة له، خارج الأراضي الأميركية، يعلن في الخامس من الشهر الجاري، في حشد ضم أكثر من ثلاثين ألف شخص، في العاصمة التشيكية براغ، عن تصميمه لتحقيق ذلك، أو على الأقل وضع اللبنات الأساسية لهذا المسعى الجليل.
كما دعا إلى تقوية معاهدة حظر الانتشار النووي كأساس للتعاون بين دول العالم. ولعل ما يثير الاهتمام، في هذا الصدد، أن الرئيس أوباما هو أول مسؤول أميركي، رفيع المستوى، ينادي بضرورة إزالة ما تركته حقبة الحرب الباردة من آثار، رغم انتهائها منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، فالأسلحة النووية هي من صناعة تلك الحقبة.
تلعب التفاهمات بين الولايات المتحدة وروسيا، لأنهما الدولتان التي تمتلكان الترسانة الرئيسية للسلاح النووي، الدور الأساسي، في نجاح المساعي نحو تخفيض كبير في عدد الرؤوس النووية، وضمان استمرار العمل وفق معاهدة حظر التجارب النووية، سواء على سطح الأرض أم في باطنها، والتوقف عن إنتاج المواد الانشطارية لأغراض الأسلحة النووية.
لا شك أن الرئيس الأميركي، لا يتحدث، في دعوته هذه، عن حلم يراوده شخصياً، وإنما يتحدث عن حلم البشرية جمعاء، التي طالما كانت الأسلحة النووية، والصور التي خلفتها المشاهد التي مرت بها في هيروشيما وناكازاكي، كابوساً يؤرقها على مدى عشرات السنين. وهو لا يكتفي بدعوته هذه، بل يشير، بما يشبه الاعتذار، بأن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية أخلاقية عن ذلك، باعتبارها البلد الوحيد في العالم، الذي امتلك السلاح النووي واستعمله.
السلاح النووي لا يزال أحد أبرز الأخطار التي تهدد البشرية، ومنذ صناعته، للمرة الأولى، في منتصف أربعينات القرن المنصرم، ازداد عدد الدول التي تمكنت من الحصول عليه.
ورغم أن الأمم المتحدة، قد ألزمت، معظم دول العالم بالتوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، التي صيغت في عام 1968، إلا أن دولاً عديدة، قد خرقت هذا الحظر، ودولاً أخرى في طريقها إلى فعل ذلك.
وينسجم، مع دعوات الرئيس أوباما، ما أعلنه وزير الدفاع الأميركي غيتس، في السابع من الشهر الجاري، عن تخفيض في نفقات البنتاغون يتجاوز المئة مليار دولار، وهو التخفيض الأول من نوعه على مدى سنوات طوال، وهو تخفيض ينسجم أيضاً مع خطط الإدارة الأميركية في مواجهة الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها.
إلا أن هنالك، في خطط البنتاغون، التي وضعت أبان عهد الرئيس السابق بوش، ما لا ينسجم مع دعوات الرئيس أوباما، بل يعيق توجهاته ويلزمه على مواجهتها، منها:
1ـ عدم استبعاد، اللجوء إلى استخدام السلاح النووي، في عمليات محدودة استباقية، لمواجهة خطر محتمل، يواجه الولايات المتحدة، أو أحد حلفائها، خارج أطر الحروب التقليدية.
2 ـ بناء جيل جديد من الرؤوس النووية، أكثر أمناً، وأكثر قدرة على الديمومة بفاعلية تامة، ولا يمكن تفجيرها، في حالة سرقتها ووقوعها في أياد إرهابية.
3 ـ تحديث الترسانة النووية، أسوة بما تقوم به كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، وهو ما تطرق إليه وزير الدفاع الأميركي غيتس، في أكتوبر من العام المنصرم، قبل الطلب منه البقاء في منصبه في إدارة الرئيس أوباما.
فليس هنالك من ضمان، حسب ما يرى خبراء البنتاغون، بأن الرؤوس النووية، التي بقيت، مخزونة، طيلة عشرات السنين، لا تزال محافظة على قدرتها.
وليس هنالك من وسيلة للتأكد من ذلك سوى أحد أمرين، أولهما إجراء بعض التجارب على هذه الرؤوس النووية، وفي ذلك خرق لاتفاقية منع التجارب النووية الموقع عليها من قبل الولايات المتحدة، وثانيهما رصد ميزانية كبيرة للتحديث، وفي كلتا الحالتين يجد الرئيس أوباما نفسه في تناقض مع ما يدعو إليه.
فوفق ما يراه غيتس، فإن خفضاً كبيراً، في عدد الرؤوس النووية، يطرح التساؤل، حول مدى فاعلية ما يتبقى منها؟ وما يراه وزير الدفاع الأميركي هو التناقض بين قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على قدرة ردع، من جهة، وقيامها بتخفيض كبير في عدد الرؤوس النووية، من جهة أخرى.
الدعوة إلى إجراء تخفيضات كبيرة، في عدد الرؤوس النووية، كانت دائماً، موضع الخلاف مع روسيا، فالتخفيض إلى حد معين، قد يفقد روسيا قدرات الردع النووي، كما يرى الخبراء الروس، خاصة مع تعاظم دور الدرع المضاد للصواريخ الذي توسع الولايات المتحدة من نطاق تأثيره. وربما تلقى الدعوة إلى إبقاء الحد الأدنى من قدرات الردع لدى الدولتين قبولاً أكثر من جانب روسيا.
لا شك أن ما يتم تداوله في هذا الشأن يهم الجميع، ولكن بدرجات متفاوتة، فالدول التي تمتلك القدرات النووية هي المعرضة أكثر من غيرها لضربات نووية، لذلك فان سياسة الرئيس أوباما تصب في مصلحة شعبه ومصلحة الشعوب الأخرى المالكة للسلاح النووي بالدرجة الأولى.
ولكن هنالك ما ينبغي الإشارة إليه، في هذا الصدد، وهو ما يخص الدول الصغيرة التي وجدت نفسها على مدى عشرات السنين في وضع ضعيف، بعضها يشكو من هدر حقوقه بسبب سياسة الاستعلاء التي مارستها القوى العظمى، وخاصة الولايات المتحدة، التي جعلتها المخالب النووية، قوة لا تُطال ورسمت في ضوء ذلك سياسات، ليست في مصلحة الدول الصغيرة، من منطلقات استراتيجية تشكل الأسلحة النووية لحمتها وسداها.
هذه الدول بحاجة لأن ترى، ان السياسات الأميركية نفسها، قد طرأ عليها تغيير ينسجم مع الدعوات نحو تخفيف آثار الظلال الكئيبة التي ألقتها الأسلحة النووية على كاهل البشرية.
كاتب عراقي