من منا يعيش دون حلم؟ ومن منا «يستطيع» أن يعيش دون أن يحمل حلمه معه، ويمشي به أينما ذهب وحيثما اتجه؟ ومن منا يستطيع أن يتخلى عن حلمه في وقت ما، ويعيده إليه، أو يعود إليه، في وقت آخر؟ هل يسكن الحلم فينا، أم نسكن نحن في الحلم؟

ما الحلم؟ وكيف يختلف الحلم عن اللا حلم؟ وهل اللا حلم هو الواقع، أو بعبارة أخرى، هل الحلم عكس الواقع؟

كيف يعرّف كل واحد منا مفردة «الحلم«؟ وكيف يفهمها كل منا، وكيف يتعامل معها، أو معه؟

هل للحلم زمان أو مكان؟ هل الحلم أسير المنام فقط، أو أنه يحل ضيفًا علينا في الصحو والمنام معًا؟ إذا كان حيز الحلم محصورًا في ساعات النوم فقط، فهل أحلام اليقظة أحلام مجازية؟

كيف تتشكل الأحلام الشخصية؟ وكيف يبني كل واحد منا حلمه؟ وهل يقف الحلم عند سن محدد؟ أو.. هل يصل الإنسان لمرحلة التشبع من الحلم؟

هل تسيرنا أحلامنا، أو نحن الذين نسيرها؟ وإلى أي حد يلتقي حلمنا مع قدرنا؟ وما دورنا في محاولة جعلهما نسخة طبق الأصل من بعضهما؟ وهل من الممكن أن يتحول الحلم إلى مرض، كما حدث لعثمان بيومي في (حضرة المحترم) حين قضى عليه حلمه؟.. قضى عليه حيًا وميتًا، لأنه حتى وهو حي لم يكن يعيش حياته كما يعيشها غيره، إذ كان مشغولا أكثر من اللازم بحلمه، إلى أن قضى عليه وحرمه من استمتاعه بالوصول إليه، لأنه وصل إليه وحققه وهو في وضع صحي لا يستطيع معه أن يفرح بحلمه. بالفعل.. كل ما زاد عن حده انقلب ضده!

لولا الحلم لكنا الآن في حال مختلف. لا أقصد الحلم المرتبط بالمنام، وإن كنت لا أنكر أهميته، إلا أنني غير معنية به الآن في هذه السطور. الذي أقصده هو الحلم بمعنى (الأمل)، وهو الدافع الذي يحركنا دون أن نشعر لنعيش هذه الحياة بتفاصيلها التي تبدو ممتعة مبهجة حين تقترب منه، وفاترة، أو ربما باعثة على الحزن والاكتئاب، حين تبتعد عنه.

ربما أنطلق في حديثي هذا من حوار دار بيني وبين بعض الزميلات في موضوع يقترب من هذا، ووجدت من خلال الكلام الذي تبادلناه أن تعريف الحلم واسع وفضفاض، كما شعرت أن الأحلام عندهن مؤطرة بأطر زمانية ومكانية، في حين أن طبيعة الحلم تبدو لي ؟من زاويتي فقط ربما- مفتوحة وغير محددة.

إحداهن رفضت الحلم لأنه لا يماثل واقعها، ورأت أن الواقع بقسوته ومرارته أقوى من الحلم، فلماذا تحلم! والجواب الذي خطر في ذهني مباشرة هو: لأن الحلم يختلف عن الواقع، يجب أن نحلم، ولأننا حين نحلم نعيش طموحًا نحو تغيير الواقع الذي لا يعجبنا، ونمشي الخطوة الأولى في هذا الطريق.

إذا كان الواقع قاسيًا فلن يكون الحلم مهربًا كما ذكرت لي إحدى الصديقات حين طلبت منها تعريف الحلم، ولكنه خطوة نحو التخفيف من قسوة الواقع. وإذا افترضنا أن الحلم نقيض الواقع، وأن حلمنا لن يغير من واقعنا شيئا لأن الواقع أقوى منه، فهل يعني هذا أن ننصاع لواقعنا ونعرض عن الحلم باستسلام ويأس؟

هل يمكن للإنسان أن يتخلى عن حقه في «الحلم» هكذا بسهولة؟ إن الكثير من القيود تجبر الإنسان على أن يعيشه حرمانًا واقعيًا من أشياء كثيرة يرغب بها ولا يستطيع الوصول إليها ؟هذا في حد ذاته حلم-، فهل يكون هو بنفسه قيدًا آخر على نفسه، ويحرمها من «الحلم«!

إن حلمي هو «أنا» في المستقبل؛ فالحلم هو الذي يرسم لنا طريقنا، وهو الذي يضع خطواتنا على درب دون آخر، وهو بالغ التأثير علينا، ولكل امرئ نصيب مما «حلم» به. ولهذه الأسباب يجب أن يلقى منا الاهتمام الكافي، حتى لا يبدو وكأننا نسير في طريق لا نعرفه، أو لم نختره.

قد تسير بنا الحياة في اتجاهات مختلفة، لا تقودنا نحو هدفنا، ولا تسهل علينا تحقيق «حلمنا»، لكن في مثل هذه الحالات تظهر شخصية كل منا في التدخل لرسم ملامح حياته، ووضع معالم مستقبله. ومن المستحيل أن يتساوى الشخص الذي يسلم بأقل هزة تزعزع مكانة حلمه في نفسه، وشخص يستميت في سبيل الوصول إلى تحقيق هدفه، رافضًا أن يقدم تنازلات تُذكر في هذا الأمر.

تفاجأت وأنا أكتب هذه المقالة، وأرسل الرسائل النصية ـ عشوائيًا ـ لبعض الناس الذين أعرفهم، وأطلب من كل واحد منهم أن يعرّف «الحلم» بالنسبة له، لأنني وجدت اختلافات لم تكن تخطر لي على بال، فبعض الناس أسقطوا هذه الكلمة من قاموسهم، وبعضهم رد عليّ مستنكرًا: عن أي حلم تتحدثين!

وبعضهم رد قائلا إنه إذا وجد ما يستحق أن يحلم به فلن يتردد لحظة، وبعضهم قال إن الحلم حيلة «المساكين» وأنه يعيش أحلامه كواقع!! في حين قال بعضهم إنه لا يعيش واقعًا، بل يعيش في الحلم، ولذلك لا يزال حيًا! وبعضهم قال إن الحلم هدف جميل وطموح قوي يدفع للبحث والعمل، والسعي الدائم إلى التغيير والتطوير. هذه هي نفسها التي ذكرتُ سابقًا أنها ترى الحلم بالنسبة لها وسيلة للهرب من الواقع!

الإجابات مختلفة، ومتفاوتة، وقد كنتُ أعتقد أن جميع الناس يتفقون على مفهوم المفردة على الأقل، فوجدت أننا لا نكاد نتفق لا على مفهومها، ولا على أهميتها، ولا على كيفية التعامل معها!

ولكن هل ينفي هذا أهمية الحلم؟ وهل يستطيع هؤلاء الذين ينكرون هذه الأهمية أن يعيشوا أيامهم دون لحظة حلم؟ وهل يعتقدون أنهم يعيشونها بالفعل دون حلم؟ إننا نحلم في كل لحظة، ولا نكاد نفارق أحلامنا ـ التي تتفاوت أهمية وحجمًا وتأثيراً ـ لحظة واحدة، لكن يبدو أن الكثيرين منا لا يدركون ذلك، كما بدأت بالأسئلة، أجدني أختم بالأسئلة، لأن الحلم فضاء مفتوح كالسؤال تمامًا، لا يقبل أن ينتهي إلى حد.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com