في ختام زيارة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي صدرت تصريحات من جانب عدد من المسؤولين الروس، سعت لإضفاء سمة النجاح على مباحثات المالكي في موسكو.
ولعل رد فعل رئيس شركة «لوك أويل» النفطية وحيد اليكبيروف الذي أعرب عن ارتياحه من نتائج لقائه مع رئيس الوزراء العراقي، وعن استعداد الشركة الروسية لتكييف العقد الخاص باستثمار حقل «القرنة الغربية ـ 2» مع قانون النفط العراقي الجديد، كان من أبرز هذه التصريحات.
إلا أنه لم يتضمن الإعلان عن أي نتائج لهذا اللقاء الذي يفترض أنه تناول الهم الروسي الأساسي وهو استعادة عقود استثمار حقول «قرنة الغربية ـ 2».
وقد سبق تصريحات وحيد اليكبيرف ما أعلنه وزير الطاقة سيرغي شماتكو عن تشكيل فريق عمل ثنائي سيكلف بمتابعة قضية العقود التي وقعتها شركات روسية مع الجانب العراقي قبل الحرب لتقرير مصيرها.
ومن المعروف أن العقد الخاص باستثمار حقل «القرنة الغربية ـ 2» كان قد وقع عام 1997 من قبل وزارة النفط العراقية السابقة (في عهد صدام حسين) مع الشركات الروسية «لوك أويل» التي تبلغ حصتها 5, 68% ومؤسستي «زاروبيج نفط» و«ماشينو امبورت» حيث تبلغ حصة كل منهما 25, 3%، وحددت فترة تنفيذ المشروع 23 عاماً قابلة للتمديد ل5 سنوات أخرى في العقد المذكور.
وكانت وزارة النفط العراقية قبل سقوط نظام صدام قد ألغت هذا العقد بسبب امتناع الشركات الروسية عن البدء في تنفيذه بسبب قرار الحصار الصادر من مجلس الأمن.
وبعد سقوط نظام صدام أعلنت السلطات العراقية عن التزامها بسياسة جديدة في مجال عقود استثمار حقول النفط تستند إلى مبدأ المنافسة الحرة بين الشركات، واعتبرت هذا العقد لاغياً. وخلال السنوات الماضية دارت سلسلة من المباحثات الروسية ـ العراقية التي حاولت موسكو خلالها استعادة هذا العقد، ولكن دون جدوى.
إلا أن مباحثات المالكي ـ بوتين تختلف عن المحادثات السابقة بأنها ليست مجرد لقاءات للحفاظ على الصلات بين البلدين، وانما جاء ممثلو الحكومة العراقية للبحث عن مصالح وطنية بدءاً من إعادة تسليح الجيش العراقي وتجهيزه بالأسلحة والمعدات العسكرية التي تمكنه بعد الانسحاب الجزئي للقوات الأميركية من السيطرة على الأوضاع الأمنية في العراق وصيانة وحدة أراضيه وسيادته إضافة لمساعي هذه الحكومة بإنهاء وضع العقوبات الدولية المعلق منذ عهد صدام والتي لم يتم إصدار قرار بإلغائها بعد سقوط نظام صدام.
وبعد أن قامت روسيا بشطب الديون العراقية والتي وصلت إلى 11 مليار دولار مستحقة السداد دون الحصول على مقابل، لابد أن تبحث مع حكومة بغداد ماذا ستعود عليها الاتفاقات التي يريد العراق التوصل إليها مع روسيا، ومما لاشك فيه أن المهمة ذات الأولوية للجانب الروسي تتمثل في استئناف تنفيذ العقد الخاص باستثمار حقل «قرنة الغربية ـ 2» الذي يعد من أكبر الحقول في العالم (تقدر احتياطاته المؤكدة بنحو 6 مليارات برميل).
من المؤكد أن العراق يحتاج للأسلحة الروسية، وذلك لأسباب عدة، منها أن الولايات المتحدة لا تنوي تسليح العراقيين بشكل كبير ربما يعرض مصالحها في العراق لتهديدات في المستقبل، كما أن تسليح الجيش العراقي في الأساس يعتمد على التقنية الروسية، وعملية تنويع مصادر السلاح تحتاج لوقت وجهود وأموال يصعب توفرها الآن.
كما أن العراق يحتاج لاستكمال مشاريع حيوية مثل محطة «الِعْظَيم» الكهرومائية العراقية التي استأنفت شركة «سيلوفيه ماشيني» الروسية تنفيذ العقد الخاص بتجهيزها بالمعدات المطلوبة. كما أن حكومة بغداد تحتاج للدعم الروسي على الصعيد الدولي ليس فقط لإلغاء العقوبات الدولية التي فرضت في عهد صدام ومازالت سارية المفعول، وإنما أيضاً لتخلق حالة من التوازن في علاقاتها الدولية تضمن لها قدراً من الاستقلالية والسيادة.
وإذا كانت روسيا على استعداد للتعاون مع بغداد، شرط أن تتوضح جوانب تبادل المنفعة في هذا التعاون، فيبقى أن تتمكن حكومة المالكي من تنفيذ ما تسعى إليه، وأن لا توجه ضغوطات أميركية وغربية للابتعاد عن التعاون مع روسيا والصين وغيرهما من دول الشرق.
كاتب روسي