ليس من السهل أن تكون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، وتدعو إلى نشر السلام في العالم بالطرق السلمية والدعوة إلى تخفيف تلوث كوكب الأرض.ولكن الرجل يبدو أنه قرر أن يكون أولا مختلفا وثانيا صادقا وثالثا إنسانا ورابعا عادلا وخامسا عالميا.

لقد لعب اللون الأسود والانتماء إلى طبقة اجتماعية دنيا، مقارنة بمليارديرات وبرجوازيي الولايات المتحدة الأميركية، إذن دورا هاما في تغيير ملامح وسياسة البيت الأبيض القادمة. أيا كان الأمر فإن الأميركيين والشرق الأوسط والعالم، في انتظار الانتقال إلى الخطوات العملية التالية، بعد خطب الوعظ وبعد هضم مثاليات الرئيس باراك أوباما.

لقد ابتهج المسلمون قبل الأميركيين بفوز أوباما لأنه أولا أسود في مقابل بوش الأبيض، وذي أصول مسلمة مقابل بوش المسيحي المحافظ، ويحمل راية السلم مقابل سيف الحرب الذي شهره بوش باسم الحروب الصليبية في وجه الشعب العربي والمسلم.

وكانت بهجة المسلمين أكبر عندما قام بزيارة تركيا ـ وهي زيارة ذات أبعاد رمزية وواقعية مع شيء من السريالية بالطبع ـ حيث شرح للمسلمين أينما وجدوا وبصوت مرتفع سياسة البيت الأبيض الجديدة تجاه المسلمين. والحقيقة أن مسلمي العالم لم يكونوا في يوم من الأيام يخشون العقيدة المسيحية، ولكنهم تعبوا وملوا من تسلط الدول المسيحية عليهم بالوسائل العسكرية، في الوقت الذي يرزح فيه مليار ونصف مليار مسلم تحت أثقال الفقر والجهل والأمية والتخلف الصناعي والاقتصادي والعلمي. فلم تمنحهم الحرب التي شنتها الدول المستعمرة عليهم فرصة استراحة المحارب.

وكانت سياسة غربية مقصودة كما ذكرنا في المقالتين السابقتين، لإبقاء هذه المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى المغرب العربي إضافة إلى الدول الأفريقية، ترزح تحت هيمنتها الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية. غير أن (إنسانية) أوباما الذي علمه شظف العيش وصعوبة الحياة أن يكون كذلك، جعلت منه ليس فقط أول أسود وأول رجل ذي أصول مسلمة يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية المكونة من 52 ولاية، بل أول رئيس أميركي لا يعتمد على دق طبول الحرب للوصول إلى عرش البيت الأبيض. لقد قلب باراك أوباما النظريات السابقة رأسا على عقب.

كما أن الشعب الأميركي مل حروبه البعيدة والقريبة ومل أن يصبح مكروها من العالم، ورفض في داخله أن يصبح كالبعوضة التي تعيش على امتصاص دماء الآخرين، في الوقت الذي أصبح غير قادر على التخلص من ذاكرة القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي، ومن صعقات الانتحاريين اليابانيين على الأسطول الأميركي بمن فيه في عملية بيرل هاربور، وهزيمة جنودهم المرهقين أمام عصابات المقاومة في حرب فيتنام، واستمرار طبول الحرب الباردة مع دببة الاتحاد السوفييتي وتورطها في كوريا وكوبا ودول أميركا اللاتينية، ومن خلال إسرائيل في حروب لبنان وفلسطين، وهزيمتها في العراق وأفغانستان والصومال وغيرها..

وكل ذلك أعطى صورة مشوهة لهذا البلد المتناقض من كل الأوجه. وما زال أوباما منذ توليه زمام الحكم في الرابع من يناير (أي بعد مضي 100 يوم بالتمام والكمال) يحاول أن يلغي من ذاكرة العالم أسوأ فترة حكم عرفتها الولايات المتحدة والعالم برئاسة جورج بوش، حيث اختلط وقتها حابل الحرب والجشع بنابل الانهيار الاقتصادي والتلوث.

وربما دعوة أوباما إلى السلام بين الشعوب ـ دون التخلي عن مكافحة الإرهاب هنا وهناك ـ دعته أيضا إلى الدعوة إلى الاهتمام بكوكب الأرض المهدد، لأن يتحول في زمن قياسي إلى ما يشبه العرجون القديم (في تصوير القرآن الكريم للقمر الذي لا حياة فيه ولا هواء ولا ماء)، كوكبنا الذي أصبح يغوص يوما بعد يوم في أوحال التلوث البيئي ونقص مياه الشرب وذوبان الثلوج وانتشار المجاعات.

(100) يوم لم تكن كغيرها في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية منذ أن أعلنت استقلالها. فالرئيس باراك أوباما (المختلف لونا ودينا) أراد أن يكون مختلفا حتى في سلوك سياسته الخارجية، ونجح في الاختبار الشفوي. ولكن يجب أن ينجح بامتياز في الاختبار العملي والتنفيذي. أما إذا تم جره إلى لعبة المناورة باسم العدالة والمساواة والسلام في الوقت الذي يقع فيه تحت نفوذ اللوبي الصهيوني، فإنه سيقع في نفس المطب الذي وقع فيه سابقوه.

ومن الواضح أن اللوبي الصهيوني لا يلعب فقط دور الحامي لدولة إسرائيل، بل يمتد إلى كثير من بؤر العالم التي تشتعل فيها الحرائق والمعارك والحروب الإعلامية ضد المسلمين نكاية بهم وحقدا عليهم. وهنا مربط الفرس كما يقول العرب.

باراك أوباما أعلن أمام الملأ عن نيته بناء «شراكة أكبر بين أميركا والعالم الإسلامي»، وأكد أن أميركا «ليست ولن تكون أبدا في حرب مع الإسلام». ولذا طلب من الرئيس التركي عبد الله جل القيام بدور الوسيط بين الطرفين: المسلمين والغرب.

كما لا تخفى على أحد لغة التودد والتقرب إلى جمهورية إيران الإسلامية التي انتهجها أوباما، لعلمه بأنه ليس منطقيا إخراج دولة بهذا الحجم والتأثير من تسوية الأوضاع في المنطقة. كما أن إيران كانت ولا تزال في موقف المدافع وليس المهاجم، وأنها أبدت نياتها الحسنة منذ اليوم (1) لانتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة خلفا لجورج بوش.

نحن لم نزل بعيدين جدا عن نهاية الشوط الأول، ولم نزل بعد في المائة يوم الأولى من حكم رئيس قلب المعادلات الحسابية لأسلافه، وشعرنا بأنه أخرج إسرائيل من اللعبة حين وضع ثقله على العالم الإسلامي...

فدعونا نرجو خيرا ثم نتفاءل باللون الأسود.. الذي يحكم البيت الأبيض..

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com