هناك زاويتان يمكن من خلالهما النظر إلى الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى تركيا وتوجيهه رسالة من هناك إلى العالم الإسلامي. الزاوية الأولى هي التي انشغلت بها وسائل الإعلام في مرحلة الانشغال باختيار المكان الذي سيوجه منه أوباما رسالته إلى العالم الإسلامي، حيث كانت هناك معايير للاختيار أدت إلى ترجيح تركيا.
وهذه الزاوية تتعلق بما تريد الولايات المتحدة أو على الأدق الإدارة الديمقراطية الحالية ترسيخه من نموذج للحكم في العالم الإسلامي، حيث أن تركيا تمثل النظم التي تجمع بين الإسلام والحداثة، وتطبق الديمقراطية التعددية، وبها نظام مستقر لتداول السلطة، فضلاً بالطبع عن أن تجربتها تؤكد انه لا عداء بين الإسلام والعلمانية من جهة وتؤكد أيضاً أن تركيا بوصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم تركت النموذج العلماني المتخاصم مع الدين إلى نظام آخر علماني متصالح مع الدين،.
وهذه هي القيم التي تسعى الولايات المتحدة لترويجها في دول العالم وفى مقدمتها دول العالم الإسلامي، وقد جاء اختيار تركيا لأنها الدولة الإسلامية الأكثر تقدماً وإخلاصاً في تطبيق هذه المعايير والقيم من بين الدول التي كانت مرشحة لأن تكون هي موضع رسالة أوباما للعالم الإسلامي ومنها مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية وماليزيا.
أما الزاوية الثانية فهي تتعلق بأن الزيارة قد تكون محاولة من الإدارة الأميركية الديمقراطية لدعم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، لأن الحزب سوف يستفيد بالطبع من الزيارة، إضافة إلى أنها ترسخ إسلامية تركيا وهو الأمر الذي قد يزعج النخبة العلمانية التركية، لكنها لن تستطيع أن تفعل شيئاً إزاء الدعم الأميركي للحزب لأنها كانت تريد أن تكون قطعة من الغرب وأصبح الغرب ممثلاً في الولايات المتحدة لا يقبل بتركيا إلا كجسر للتواصل مع العالم الإسلامي أي حلقة وصل وليس مكون أصيل من مكونات الحضارة الغربية كما تريد النخبة العلمانية التركية منذ بدء جمهورية مصطفى كمال أتاتورك في العقد الثاني من القرن الماضي وحتى الآن.
والحاصل أن الإدارة الأميركية وان كانت لها معايير في اختيار العاصمة التي وجه منها أوباما رسالته للعالم الإسلامي، فان المصالح الأميركية المتشابكة في منطقة الشرق الأوسط لعبت دوراً مهماً في عملية الاختيار.
ولاشك في أن الطاقم الأميركي الذي اختار تركيا كانت لديه حسابات خاصة في اختيار تركيا في مقدمتها ما يمكن أن تقوم به في مساعدة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالعديد من الملفات الخاصة بالسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، على رأس هذه الملفات ما يتعلق بمساعدة الولايات المتحدة في عملية سحب قواتها من العراق بما لا يحدث فوضى وعدم استقرار هناك.
والمضي قدماً في عملية الوساطة بين سوريا وإسرائيل وهى الوساطة التي تلعب فيها تركيا دور المفاوض غير المباشر بين الطرفين. كذلك فان هناك دوراً آخر يتعلق بالاستراتيجية الأميركية في المنطقة وهو سعيها لحصار إيران الحيلولة دون أن يكون هناك امتداد شيعي في المنطقة وهناك محاولات في المنطقة ترعاها الولايات المتحدة من أجل إيجاد تجمع سني يواجه هذا الأمر يضم تركيا إلى جانب السعودية ومصر والأردن.
فضلاً عن ذلك فان لتركيا أدوار تلعبها لمصلحة الاستراتيجية الأميركية في منطقة آسيا الوسطى والمناطق الأخرى المحيطة بروسيا التي تسعى لأن تعيد استراتيجيات الاتحاد السوفييتي في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وكانت تركيا فاعلة في الاستراتيجية الأميركية خلال هذه الفترة.
كذلك فان الولايات المتحدة وعبر حلفائها العراقيين يمكن أن تساعد تركيا في وقف خطر حزب العمال الكردستاني والحيلولة دون أن ينفذ هجماته ضد الدولة التركية انطلاقاً من منطقة شمال العراق. وقد كان موقف الولايات المتحدة داعماً لتركيا عندما نفذت هجمات على قواعد الحزب في هذه المنطقة أكثر من مرة في الفترة الماضية.
وبالتالي فان دعم إدارة أوباما لحزب العدالة والتنمية وحكومته له علاقة بأنها هي التي انخرطت في هذه الملفات أو أنها هي الأكثر تأهيلاً للقيام بالدور المطلوب منها بكفاءة وبما يفيد الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وبالتالي فان الدعم بين الجانبين ما هو إلا دعم متبادل وليس فقط من طرف واحد حسبما صورت بعض وسائل الإعلام في الفترة السابقة.
وبالطبع فانه إن كانت تركيا مفيدة للولايات المتحدة في المرحلة الحالية، وإن كانت أيضاً ستساعدها في بعض الملفات فان هناك الكثير المطلوب من الولايات المتحدة وعليها تقديمه لتركيا كمقابل لما ستقوم به الأخيرة من مهام وأدوار، فالملاحظ أن الرئيس الأميركي صرح علانية خلال زيارته لتركيا انه سيساعدها في حل مشكلاتها مع الأرمن.
وهى مشكلة تعرقل العديد من الملفات التركية، ذلك أعطى لتركيا ميزة مهمة في مواجهة الدول التي تنافسها على زعامة العالم الإسلامي عندما جعل الدنمارك تعتذر لها عن الرسوم المسيئة للرسول الكريم حتى توافق على تعيين المرشح الدنماركى كسكرتير عام لحلف شمال الأطلسي، وهو الأمر الذي يعني ان الاستفادة متبادلة من تعاون الجانبين، وكل من الملفات التي ستساعد الولايات المتحدة تركيا في حلها هو دعم غير مباشر من إدارة أوباما لحزب العدالة والتنمية وحكومته.
وبالطبع فان ما ستقوم به الولايات المتحدة لتركيا يمكن أن يقيها خطر نمو الاتجاهات القومية المتطرفة التي أصبحت الأحزاب الممثلة لها تتقدم في الاستحقاقات الانتخابية على حساب الأحزاب الليبرالية، وهو الأمر الذي يمكن أن يمثل خطراً على المصالح الأميركية في المنطقة في نفس الوقت.
كاتب مصري