كشفت قمة حلف شمال الأطلسي في ستراسبورج هذا الشهر عن صياغة إستراتيجية جديدة للحلف، وعلى ما يبدو أن الإستراتيجية الحالية للحلف تقادمت في الوقت الذي يبحث فيه الحلف عن وظائف ومهمات جديدة.

في مواجهة المخاطر والتهديدات الحالية التي تحمل طابعا عالميا ولا يمكن التصدي لها بجهود حلف الناتو وحده حتى وان رغب الحلف بمواجهتها بالانفراد. وعلى ما يبدو أيضا أن الجانب الروسي، الذي دخل في مرحلة البحث عن توازن جديد، لا يستطيع أن يغض النظر عن حقيقة أن الحلف لم يدعم موسكو عندما كانت بحاجة إلى دعم في إطار مجلس «روسيا الناتو».

وترفض روسيا الأفكار التي تدعو لمنح حلف شمال الأطلسي إمكانية استخدام القوة بدون تخويل من مجلس الأمن الدولي، وتصف موسكو تلك الدعوات بأنها غير مسئولة، وتؤكد أن دعوات الناتو لمضاعفة استخدام قدراته بدون تخويل من مجلس الأمن الدولي تثير الكثير من التساؤلات، ويشكك في مصداقية أهداف ونوايا الحلف.

وكان عدد من سياسيي البلدان الأعضاء في الناتو وخاصة في واشنطن ولندن قد اقترحوا قبل قمة الحلف المقبلة منح حلف شمال الأطلسي «حق صيانة النظام العالمي» بدل منظمة الأمم المتحدة. وتشير وسائل الإعلام إلى أن المندوب الجديد للولايات المتحدة لدى الناتو ايفو دالدير يعتبر من أشد المتحمسين لفكرة تشكيل ما يسمى بـ «عصبة الديمقراطيات» على أساس الحلف لتتمكن من تنفيذ عمليات عسكرية في جميع أنحاء العالم، ويقترح دالدير استبعاد التعاون مع دول مثل روسيا والصين، معتبرا أنهما أعداء للحلف وليسوا أصدقاء.

ويذكر أن المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية السابقة جون ماكين قد اقترح في حملته الانتخابية إنشاء منظمة يطلق عليها «عصبة الديمقراطيات» للرد على الأزمات الإنسانية العالمية، ولتكون بديلا لمجلس الأمن الدولي الذي تقوم قوى متنفذة فيه مثل روسيا والصين بـ «عرقلة عمله»، على حد قوله.

رغم وجود هذه الآراء إلا أن الدول الأساسية في الحلف، وخاصة الأوروبيين لا يرغبون في أية مشاكل مع روسيا التي أصبح من الصعب إنكار وجودها القوي على الساحة الدولية، ولهذا تمثل مشكلة التعامل مع روسيا بندا دائما على لائحة اجتماعات قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الوقت الراهن.

و كانت أوساط غربية قد رأت أن «دخول القوات الروسية إلى الأراضي الجورجية» في العام الماضي يؤكد ضرورة استمرار الناتو في مواجهة «الدب الروسي». ولكن السؤال المحير هو، كيف يوقف الغرب الدب الروسي الذي «استيقظ أخيرا» وأصبح يشكل قوة لا يستهان بها على الساحة ؟.

يرى بعض خبراء الإستراتيجية الغربيين أن المطلوب، حتى ينجح الغرب في ذلك، إعلان فتح باب الناتو أمام البلدان الأوروبية كافة بما فيها روسيا نفسها. وفي هذه الحالة تصبح الكرة في ملعب روسيا حتى أن قادتها لن يروا مفرا من إعطاء رد واضح، إما التعاون وإما الانسحاب، وحتى الرد السلبي سيكون إيجابيا بمعنى أن روسيا وإن رفضت الدعوة فإنها لن تجد مبررا للاعتراض على قيام بلدان أخرى مثل أوكرانيا وجورجيا بتلبية هذه الدعوة.

ويشير ياب دي هوب شيفر، الأمين العام للناتو، إلى تضارب آراء أعضاء الحلف حول التعامل مع روسيا. ولكي يكونوا مستعدين لفتح باب حلفهم في وجه روسيا يجب أن تقرر موسكو ما إذا كانت ترحب بسعي الناتو إلى الشراكة أو تستمر في النظر إلى الحلف من منظار الحرب الباردة البائدة.

رغم هذا فإن هناك مواقف داخل الحلف تراعي مصالح روسيا وترفض تماما أية مشاكل معها، وخاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، أما بالنسبة لواشنطن ولندن فإن مشكلتهما الكبرى مع روسيا أنهما ما زالا مصممان على عدم مراعاة مصالحها الإستراتيجية خارج حدودها، ولا يتعاملان معها على أنها دولة أوروبية من حقها المشاركة في تحديد مصير الأمن الأوروبي، وإلى أن تحل هذه المشكلة فإن التعاون بين روسيا والناتو يظل في طريق مسدود.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com