يبدو أن وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان، وكأنه الوحيد الذي يجرؤ على تسمية الأشياء والوقائع بمسمياتها، حتى لو جاءت على نحو مستفز ومنفر للآخرين ولا علاقة لها بمبادئ وأصول العلاقات العامة، ودهاليز السياسة التي تقتضي في كثير من الأحيان من الخبث والمجاملة.

ليبرمان المعروف بعنصريته ضد العرب وكراهيته لهم، وبتطرفه السياسي، أعلن وهو في موقعه الرسمي الجديد جملةً من المواقف والاستنتاجات بشأن السلام مع الفلسطينيين والعرب، تميزت بوضوح يهبط إلى حد الوقاحة، وتقدم مؤشرات على السياسة التي قال رئيس وزرائه نتنياهو إن حكومته ستقوم بتحديدها خلال الشهر المقبل الذي يستهله بزيارة للولايات المتحدة الأميركية.

ليبرمان كان قد انسحب من حكومة أولمرت السابقة على خلفية موقف سياسي معارض للمفاوضات التي جرت بين الحكومة والسلطة الفلسطينية، على الرغم من معرفته بأن تلك المفاوضات اتسمت بالتعثر، وما كان لها أن تنتهي إلى اتفاق قبل نهاية ولاية الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، كما كانت إدارة بوش وغيرها تتمنى.

إزاء المسار السوري، أعلن ليبرمان، أن إسرائيل لن تتخلى عن هضبة الجولان وهذا يعني أن لا جدوى للمبادرات والمفاوضات مباشرة كانت أم غير مباشرة، ذلك أن سوريا غير معنية بمفاوضات عبثية من هذا النوع، ولا تجد نفسها مضطرة للمحاولة طالما أن الأساس خارب ومضروب من جذوره.

وفضلا عن تصريحاته المتصلة بموضوع المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية التي جاء فيها قوله إن إسرائيل غير ملزمة بعملية سلام أنابوليس، ولا تعترف بأية تفاهمات سوى خارطة الطريق، وعدا عن تصريحاته التي يرفض من خلالها أي مفوضات حول القدس حيث يعتبرها العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل، نقول عدا هذه المواقف وغيرها، أدلى مؤخراً بتصريح يختم بالشمع الأحمر على كل المبادرات والمحاولات الجارية بشأن عملية السلام.

ليبرمان كان حقيقياً حين قال «إن التسوية وصلت إلى طريق مسدود»، فلقد مضى على مبادرة الرئيس بوش الأب، ومؤتمر مدريد نحو ثمانية عشر عاماً، وستة عشر عاماً على توقيع اتفاقية أوسلو، وخمسة عشر عاماً على قيام السلطة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، ما يقرب من عشرين عاماً من المفاوضات، وتناوب جولات العنف والهدوء، كانت الحصيلة صفراً، بل وأقل من الصفر حيث أن السلطة الفلسطينية خسرت الكثير مما حققته وفق وعبر اتفاقيات أوسلو، ولم تنجح كل المحاولات الدولية، والمبادرات، والمفاوضات، من المحافظة على ما حققته اتفاقيات أوسلو على الأرض، أو حتى توفير بيئة معقولة لتحقيق السلام لاحقاً.

وبالمناسبة فإن المراحل الأولى من خارطة الطريق، تستهدف تصحيح الاعوجاجات والانتكاسات التي وقعت على الوضع انطلاقاً من اتفاقية أوسلو، غير أن إسرائيل لم تسمح بذلك رغم مرور نحو ست سنوات على تقديم خارطة الطريق والتي أصبحت جزءاً من قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي.

الأخطر من كل ذلك، يكمن في أن الحكومات الست الإسرائيلية التي واكبت قبل هذه الحكومة، المفاوضات مع الفلسطينيين، قد اتبعت سياسة منهجية تؤدي إلى تعويض الأسس التي يمكن لأية تسوية أن تقوم عليها ولا فائدة هنا من الخوض غير المجدي في البحث عن تفاوت أو تعارض بين الأحزاب السياسية والزعماء الذين تداولوا على الحكم في إسرائيل، فثمة صيرورة للأحداث والتطورات، جرفت الجميع إلى الوجهة ذاتها.

إسرائيل منذ توقيع اتفاقية أوسلو، اتبعت سياسة تشجيع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وسرعت تهويد المدينة المقدسة، وطرد أهلها الفلسطينيين، وتغيير معالمها، إلى الحد الذي أدى إلى تغيير الميزان الديمغرافي فيها، وعزلها تماماً بحزام من المستوطنات عن بقية مدن الضفة.

تضاعف عدد المستوطنين بنسبة 300% عما كان عليه الوضع عشية توقيع اتفاقية أوسلو، حيث بلغ عددهم في عام 1992، أقل من مئة ألف.

كان جدار الفصل العنصري، معلمٌ آخر، من أخطر معالم السياسة الإسرائيلية، وهو جدار جيوسياسي، وليس أمنياً كما تدعي إسرائيل، وأيضاً وبالرغم من أنه يرسم الحدود بعد أن يصادر مساحة واسعة من أراضي الضفة، نقول بالرغم من ذلك إلا أن احتمالات تغيير مساره إن وقع ذلك، فسيكون بقرار إسرائيلي وباتجاه مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، وذلك بعكس المراهنين على إمكانية تعديله لصالح الفلسطينيين.

وفي الواقع فإن حديث رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن التزامه بتحقيق سلام اقتصادي مع الفلسطينيين ورفضه الاعتراف والالتزام برؤية الدولتين التي تشكل جوهر تفاهمات عملية آنابوليس، وعدم اعتراضه على التصريحات التي صدرت عن وزير خارجيته ليبرمان، كل هذا يعني أن أبواب السلام فعلاً مغلقة وأن أية مفاوضات أو محاولات لاحقة لا تعني سوى إضاعة الوقت، والدخول في مفاوضات لا نهائية لها كما توقع ووعد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق شامير، حين أعلن ذلك في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.

الكثير من المراقبين والمهتمين لا يريدون أن يروا الحقيقة كما وردت على لسان ليبرمان وكما تشير الوقائع على الأرض، ولذلك فإن المراهنات تتزايد على سياسة أميركية في عهد أوباما مختلفة، وفي الوقت ذاته وعلى نحو معاكس تتوقع بعض الأوساط الإسرائيلية وغير الإسرائيلية صداماً قادماً بين الإدارتين الأميركية والإسرائيلية والرئيس الأميركي أوباما يواصل تأكيداته وآخرها من تركيا أن إدارته تدعم بقوة رؤية الدولتين، فيما يلح ممثل الرباعية الدولية طوني بلير على أن إقامة دولة فلسطينية هو السبيل الوحيد لإقرار السلام.

لو أننا حاولنا تتبع التحولات الكبيرة في المنطقة، فإننا ربما نصل إلى استنتاج بترجيح قيام حرب كبيرة في المنطقة، تبدو ضرورية لتحقيق تغيير من مستوى جيوسياسي ضخم.

فلقد صدر القرار الدولي الشهير رقم 242 بعد حرب يونيو 1967، أما اتفاقية كامب ديفيد فلم يكن بالإمكان توقيعها إلا بعد أكتوبر عام 1973، ولم يكن بالإمكان توقيع اتفاقية أوسلو، واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل عام 1994، إلا بعد حرب الخليج والانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987.

قد يقع خلاف بين إدارة أوباما وبين حكومة نتنياهو فيما يتصل بالعملية السلمية وآفاقها وأهدافها، غير أن خلافات سابقة كثيرة، وقعت بما في ذلك مع نتنياهو حين كان رئيساً للحكومة بين الأعوام 1996-1999، لكن كل تلك الخلافات لم تزعزع التحالف الاستراتيجي المتين بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك تصريحات المسؤولين الإسرائيليين عن أولويات السياسة، وعلى رأسها التحدي الإيراني، فإن تحقيق اختراق في مسار تحقيق السلام سلبياً أو إيجابياً، ربما يتطلب حرباً كبيرة أو حروباً تسعى إليها إسرائيل.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com