مرت يوم أمس الذكرى السادسة لسقوط النظام العراقي السابق، وهي مناسبة ليست عادية وعابرة، فقد سقط أكثر من نظام عراقي، فيما مضى، بفعل الانقلابات العسكرية التي اعتادها العراقيون، إلا أن السقوط الأخير كان مختلفاً، فقد كان سقوطاً للدولة العراقية بسبب الاحتلال الأميركي.

هذه المناسبة تستوجب بعض التوقف، وتستوجب التأمل في حجم التداعيات الخطيرة التي أضيفت إلى ما قبلها، وأعادت العراق عشرات السنين إلى الوراء.

السنوات الست المنصرمة، منذ التاسع من أبريل عام 2003، لم تؤرق العراقيين وتشغل بالهم لوحدهم، وإنما أشغلت بال المحافل الدولية، بعد أن أصبح العراق ساحة لتسوية الحسابات بين أطراف كثيرة لا تضمر خيراً له، من جهة، وأخرى وجدت فيه مكاناً لمحاربة الولايات المتحدة، وإلحاق الأضرار بها، من جهة أخرى.

العراق وأفغانستان، ضحيتا الاحتلال الأميركي، هما البلدان الوحيدان اللذان لم يفارقهما أزيز الرصاص، وسقوط القذائف، والمشاهد الدموية اليومية، وتعطيل الحياة، على مر العقود الثلاثة الماضية.

إلا أن البنية الاجتماعية في العراق قد أصابها من التمزق أكثر ما أصاب البنية الاجتماعية في أفغانستان، وذلك بسبب الصيغة السياسية الرديئة، للحكم، التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق بُعيد الاحتلال، والتي تستند إلى المحاصصة العرقية والطائفية. كما أن عدد اللاعبين، في الشأن العراقي، أكبر كثيراً من عدد من يهتم بالشأن الأفغاني، وذلك لاعتبارات عديدة، جغرافية وتأريخية واقتصادية وسياسية وثقافية.

على مدى السنوات الست المنصرمة، كانت الساحة السياسية العراقية، تزخر بأحداث جسيمة، اختلطت فيها الأوراق، وتراجع فيها الوطن كثيراً في ذهنية الفرد العراقي البسيط، الذي أربكته تراجعات المفاهيم التقليدية التي تتعلق بالوطن والسيادة، التي نشأ عليها، أمام غيرها التي قدمت مع دخول القوات الأمريكية المحتلة.

وتوجست معظم دول الجوار، من نتائج ما يجري في ساحته التي أصبحت بمثابة مطبخ كبير أعدت فيه ولائم دسمة لم تُشبع نهم من يتلذذ بأكل الجسد العراقي ولم ترو ظمأ المتعطشين لدماء أبنائه. كما أصبحت، مطبخاً لاختبار مذاقات مختلف الوجبات السياسية التي تفوح منها الرائحة الطائفية التي أراد هذا الطرف أو ذاك إجبار المواطن العراقي على استساغة طعمها المر ورائحتها الكريهة.

السنوات الست المنصرمة نفق زمني مظلم وطويل جداً سار فيه الفرد العراقي البسيط وهو يتطلع في يأس وفي رجاء إلى ومضة ضوء تنعش أملاً يرفض أن يخبو. وسار فيه السياسي: المنخرط في العملية السياسية والرافض لها وهو يرقب مكامن القوة والضعف وآليات صناعتها في النظام السياسي الجديد، ويراجع خلالها حساباته والتزاماته إزاء بلده وشعبه.

ويبدو أن قدر العراق أن ينهض من كبوته، ويخرج من النفق المظلم الذي حُشر فيه، فهو أكبر حجماً وأجل مكانة من أن يخبو ويتخلى عن دوره في رسم سياسات المنطقة. فالتجربة القاسية التي مر بها، وهي حصاد ثلاثة عقود من حروب عبثية تُوجت بالاحتلال الأميركي، لا بد أن تعيده إلى جادة الصواب.

فهناك ما يشير إلى أن النضوج السياسي لدى البعض من المنخرطين في العملية السياسية والبعض من المعارضين لها قد قارب أو اقترب من الوصول إلى رغبة مشتركة لإخراج القاطرة العراقية من النفق المظلم. فهنالك ما يدعو إلى التفاؤل بعد أن نجحت حكومة المالكي في تحسين الوضع الأمني وفرض سلطة القانون، وبعد أن أفرزت انتخابات مجالس المحافظات واقعاً جديداً في العراق تراجع فيه الخطاب الطائفي الذي مزق النسيج الاجتماعي العراقي لصالح خطاب يتسم بالروح المدنية الوطنية.

إلا أن العراق لا يزال بعيداً جداً عن الشفاء من الأمراض الكثيرة والخطيرة التي دبت في جسده، وهي أمراض لا تُشفى بين ليلة وضحاها، وليس بمقدور فئة معينة لوحدها توفير العلاج لها. العراق لا يزال يواجه أخطاراً جمة، فهنالك مطامع كبيرة في أرضه وفي ثرواته، وهنالك من يخطط للنيل من وحدته.

وليس أمام من يمتلك سلطة صنع القرار، لمواجهة ذلك، سوى التحلي بالجرأة للقيام بإصلاحات كبيرة على مختلف المستويات.

فعلى المستوى السياسي، ينبغي الإسراع في إجراء تعديلات في الدستور تتضمن: تعزيز الروح المدنية في أبوابه ومواده وفقراته، إزالة أي نص قد يقود إلى استغلاله من قبل البعض للإخلال بوحدة العراق وإضعاف السلطة المركزية، إزالة أي نص يعيق المصالحة الوطنية. كما ينبغي الإسراع بسن قانون ينظم عمل الأحزاب، ويعزز دور منظمات المجتمع المدني في الحياة السياسية.

أما على المستوى الاجتماعي، فعلى العراقيين مواجهة مشكلة اجتماعية كبيرة وخطيرة، وهي وجود ما يقرب من أربعة ملايين طفل يتيم، ووجود ما يقرب من مليون أرملة ومطلقة من مجموع نساء العراق البالغ عددهن ثمانية ملايين ونصف امرأة، وفق أرقام وزارة التخطيط، وما يبلغ ضعف هذا العدد، من المطلقات والأرامل، وفق أرقام وزارة المرأة.

ومشكلة بهذا الحجم، تعجز الميزانيات المخصصة في شبكة الحماية الاجتماعية عن مقاربتها ناهيك عن مواجهتها، فهي تتطلب سن تشريعات خاصة، ووضع ميزانية مناسبة تضمن لهؤلاء الأطفال حق التعليم أسوة بغيرهم، وتضمن لهؤلاء النسوة، فرص الانخراط في المصانع والمؤسسات الإنتاجية، عن طريق وضع خطط تأهيل تتناسب مع ما يمتلكن من قدرات.

وعلى المستوى الاقتصادي هنالك حاجة ماسة لوضع القدرات العراقية، البشرية والمادية، في أطر خطط إعادة الإعمار والبناء والاستفادة من الكوادر العراقية، التي هاجرت أو هُجرت، والتي حالف الحظ الكثير منها للحصول على خبرات متقدمة في مجال العلوم والتكنولوجيا، في إدارة ثروات البلاد ، خاصة صناعة النفط، الصناعة الأكثر حيوية في الاقتصاد العراقي.

وعملية إعادة البناء تتطلب قبل أي شيء، وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وإبعاد الجهلة والأميين والفاسدبن عن المراكز القيادية في الاقتصاد العراقي. كما تتطلب مكافحة الفساد، بمختلف أنواعه، الذي ينخر جسد الدولة العراقية على مختلف المستويات.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae