مما لاشك فيه أن اللقاء الأول للرئيسين أوباما ومدفيديف لم يكن منوطاً به أن يقدم حلولاً لكل المشكلات والخلافات، ولكن أبرز ما في هذا اللقاء هو إيجاد لغة مشتركة بين الرئيسين والبلدين، بعد سنوات من التباين والخلاف حول العديد من القضايا الدولية.

أوباما لم يكتف بمخاطبة مدفيديف بلغة جديدة، وإنما دعا حلفاءه أعضاء الناتو إلى ضرورة العمل بجدية على بناء علاقات مثمرة وفعالة مع روسيا. لم ينف الرئيس الأميركي وجود خلاف حول بعض المسائل.

إلا أنه كشف أيضاً عن وجود خلافات بين الولايات المتحدة وحلف الناتو حول عملية حماية الأمن والسلام في أفغانستان، بدءاً من عدم تجاوب حلفاء واشنطن الأطلسيين مع مطلب البيت الأبيض بإرسال قوات إضافية، وانتهاءً بآفاق الوضع السياسي في أفغانستان. نبرة خطاب أوباما تعكس حرصاً أميركياً على التفاهم ليس فقط مع الحلفاء الغربيين وإنما أيضاً من روسيا.

وقد أعلنت موسكو أنها تقدر إيجابياً حرص الإدارة الأميركية الجديدة على تحسين العلاقات مع روسيا، وكذلك نتائج اللقاء الذي جمع الرئيسين ديمتري مدفيديف وباراك أوباما، وأعربت عن تفاؤلها إزاء استعداد واشنطن للتعاون مع روسيا على أساس براغماتي وبدون الاعتماد على أية قاعدة إيديولوجية معينة. واعتبرت الخارجية الروسية أن لقاء أوباما ومدفيديف انطلاقة جديدة للعلاقات الثنائية، وأشارت إلى أنه مازال الحديث مبكراً عن إحداث «اختراق كلي» في مسيرة العلاقات الروسية الأميركية، ولكنه يعتبر حدثاً إيجابياً، بلا ريب.

وقد كانت الاتفاقية الخاصة بالأسلحة الهجومية الاستراتيجية على رأس الملفات التي بحثها الرئيسان، باعتبار أن التوصل لتفاهم حول هذا الملف يمكن أن يؤدي لتهدئة التوتر المخيم على العلاقات بين البلدين ويعبر عن حسن النوايا.

اتفق الرئيسان مدفيديف وأوباما على أن تعقد روسيا والولايات المتحدة اتفاقاً جديداً لتحديد التسلح بالأسلحة الاستراتيجية (النووية) خلال العام الجاري قبل أن تنتهي الاتفاقية الصادرة في القرن الماضي والتي تنتهي مدتها في ديسمبر 2009. ومما يرضي روسيا موافقة الولايات المتحدة على أن يشمل التخفيض الرؤوس النووية ووسائل نقلها على حد سواء، كما أشار إلى ذلك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بقوله ان الاتفاق «يشمل كل شيء».

الملف الأفغاني من المواضيع المهمة على الأقل بالنسبة للولايات المتحدة، ولابد من القول انه لا توجد خلافات مبدئية بشأن أفغانستان، كما لا يوجد لدى حركة «طالبان» أصدقاء بين اللاعبين العالميين الرئيسيين.

كما أن روسيا لن تضطر إلى بذل جهود فائقة، بل يكفي مجرد تقديم المساعدة الممكنة في مجال الترانزيت، هذا وإن كانت موسكو تؤيد الموقف الأوروبي الذي يرفض القتال في أفغانستان ويسعى لدعم الاستقرار وإعادة البناء هناك، ولكن طالما أن طالبان تتقدم وتقاتل فلابد من التعامل مع الطرح الأميركي البريطاني.

هذه التطورات تستوجب من روسيا التعامل مع بقية الملفات أيضاً وأبرزها الدرع الصاروخية والتي مازال من المستبعد أن تحرص واشنطن على إيجاد تسوية حولها مع موسكو. كما أن الولايات المتحدة تعتبر كل من أوكرانيا وجورجيا حلفاء ومن المتوقع أن تواصل دعمهما، ما يعنى أن خطة البيت الأبيض الخاصة بالزحف نحو وسط آسيا وحوض بحر قزوين مازالت موضوع تنفيذ وهو ما يمس المصالح الروسية.

قد لا يكون لدى الكرملين اعتراض على توزيع مناطق النفوذ في وسط آسيا مع الولايات المتحدة، ولكنه بالتأكيد يريد أن يتم ذلك وفق رؤيته وبما يحافظ على المصالح الروسية.

ان اللغة الأميركية الجديدة لا تغني موسكو عن مواصلة تطبيق رؤيتها واستراتيجيتها الجديدة طالما لم تقدم واشنطن على خطوة جدية للتقارب مع روسيا، وتبدي مراعاة لمصالحها، لأن الحديث المتكرر عن ضرورة التعاون مع روسيا لا يمكن أن يصبح مقنعاً ما لم يقترن بقرارات وأفعال تترجمه لخطوات على أرض الواقع. ولأن واشنطن تدرك ذلك فإن روسيا التي ستستقبل أوباما خلال الصيف القادم ترى في هذه الفترة مهلة كافية لاكتشاف اتجاهات تطور العلاقات الروسية ـ الأميركية.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru