أجريت الأسبوع الماضي الانتخابات البلدية فى تركيا وقد خسر حزب العدالة والتنمية، للمرة الأولى منذ وصوله إلى السلطة في تركيا عام، 2002 اصواتا في الانتخابات بالمقارنة مع الانتخابات السابقة، في حدث اعتبرت الصحف انه «تحذير» إلى الحكومة.

فقد فاز الحزب الحاكم ذو الأصول الإسلامية بفارق كبير في الانتخابات بحصوله على 39% من الأصوات، محتفظا بمعظم مدنه ومنها اسطنبول وأنقرة. غير أن النتيجة التي حققها كانت أدنى مستوى منها في الانتخابات البلدية عام 2004 التي حقق فيها (؟؟.؟%) وفي الانتخابات التشريعية التي أجريت عام 2007 حقق نسبة (؟؟.؟%)، متراجعا للمرة الأولى بعد تسجيله تقدما متواصلا.

وهناك تفسيرات متعددة حول هذا التراجع فى شعبية الحزب فى مقدمتها الأزمة المالية العالمية التي بسببها خسر حزب العدالة والتنمية التمويل الأجنبي الذي كان يعزز موقعه، كذلك فإن هذه الأزمة الاقتصادية العالمية أدت في تركيا إلى زيادة كبرى في نسبة البطالة التي وصلت إلى ؟.؟؟ ملايين عاطل عن العمل في نهاية 2008 يمثلون ؟؟.؟% من القوى العاملة، بزيادة 838 ألفا خلال عام.

والتفسير الثاني لهذا التراجع يعطى له معنى اثنيا وثقافيا حيث رأى مراقبون أن الحزب كان يحصل على أصوات فى المناطق التي يعيش فيها أكراد تركيا بسبب موقفه المختلف من المسألة الكردية.

ولكن يبدو أن الحزب الذي يسيطر على الحكومة منذ نهاية عام 2002 لم يحدث تحولا نوعيا فى هذه المسألة بل جاء ما أحدثه من تغييرات بشأنها شكليا الأمر الذي جعل القوى الكردية تراجع حساباتها بشأنه وتعطي أصواتها لحزب آخر وهو ما تسبب فى تراجع الأصوات التي حصل عليها فى المدن التركية وعلى الأخص مدينة ديار بكر .

فقد فشل حزب العدالة والتنمية في الأناضول جنوب شرق البلاد الذي تسكنه غالبية كردية، وقد فشل الحزب الحاكم رغم بذل جهود كبرى في انتزاع أي مدينة من حزب المجتمع الديموقراطي، بل انتزع منه هذا الحزب المؤيد للأكراد مدينتين هما فان وسيرت. فقد ازداد الدعم ولم يتراجع في هذه المنطقة لسياسات حزب المجتمع الديمقراطي المرتكزة على الهوية التركية، بالرغم من التقدم الذي أحرزته الحكومة على صعيد حقوق الأكراد الثقافية.

ورأى محللون سياسيون أتراك أن الانتخابات البلدية التركية عبرت في نهاية المطاف عن «انتهاء حقبة». فقد بات واضحا أن أسطورة حزب العدالة والتنمية التي يزيد عدد الأصوات المؤيدة له في كل انتخابات سقطت. وأصبحت مهمة رئيس الوزراء أردوغان الرئيسية اعتبارا من 30 مارس تكمن في وقف سقوطه، وهذا الأمر لن يكون سهلا. كذلك رأى مراقبون آخرون أن حزب العدالة والتنمية لم يعد الخيار الوحيد المتاح كحزب حاكم في تركيا.

يضاف أيضا تفسيرات حول أن البلديات التي لم يستطع الحزب أن يمدد سيطرته عليها فشلت المجالس البلدية في أن تحل أزماتها اليومية الأمر الذي دفع سكان المدن للبحث عن بدائل أخرى للحزب .

ولكن على الرغم من كل هذه التفسيرات إلا أننا مازلنا أمام حقيقة واقعة وهى أن الحزب على الرغم من تراجع شعبيته مازال يتقدم كافة الأحزاب التركية ومازال هو الأكثر شعبية من بينها، وإذا كان مراقبون رأوا أن الحزب لم يعد هو الخيار الوحيد وأن رئيس الوزراء عليه أن يفكر في كيفية وقف سقوطه، فإن ذلك يعني أيضا أن الحزب لديه الفرصة لان يستعيد النقاط القليلة التي فقدها في الانتخابات.

وهو ما يعني أن الموقف بالنسبة له ليس سلبيا تماما لكنه أيضا ليس إيجابيا، ولعل هذا الأمر هو أحد المزايا الأساسية للنظم الديمقراطية التي توجد فيها استحقاقات انتخابية متعددة، فهذا الأمر ميزة للناخبين الذين يمكن لهم تعديل اختياراتهم في حال ثبوت عدم صحتها.

وفى نفس الوقت يعطي الفرصة للأحزاب الحاكمة لان تعدل من سياستها إذا ما رأت أنها لا تحظى بالدعم الشعبي المطلوب.

وفى تركيا لابد وأن نضع في اعتبارنا أن الأحزاب الأخرى الرئيسية سبق أن جربها الناخب التركي لكنها لم تستطع أن تحظى بدعمه بسبب فشلها من جهة والفساد الذي كان ينخر في الحياة السياسية التركية.

وهو أمر يضع علامات استفهام على إمكانية أن يجدد الناخب الثقة فيها، وهو ما يعني أن هناك فرصا لصعود أحزاب أخرى لم تجرب هي الأحزاب القومية المتطرفة بما يعني أن تركيا يمكن يحدث فيها تحول نوعي يؤثر على مجمل العملية السياسية فيها خاصة فيما يتعلق بعلاقاتها بدول الجوار الجغرافي لها خاصة تلك التي تعيش فيها أقليات تركية .

ونعتقد أن هذا الأمر يعطي ميزة للعدالة والتنمية لان البدائل المتاحة له لن تستطيع حل معضلات تركيا بل يمكن أن تتسبب في المزيد من الأزمات وهو الأمر الذي يعني أن أسوأ ما يمكن أن يوجهه العدالة والتنمية في أي استحقاق انتخابي آخر هو أن تتراجع شعبيته من دون أن يفقد أغلبيته.

وهو ما يتطلب منه أن ينفتح على قوى سياسية أخرى من أجل التصدي لأي أزمة يمكن أن تواجهه مستقبلا. فما حدث في الانتخابات البلدية لا يتعدى أن يكون مجرد جرس إنذار من الناخب لحزب العدالة والتنمية نعتقد انه يستطيع أن يتكيف معه ويتجنب آثاره السلبية ذلك أن الحزب يتميز بالمرونة التي ساعدته كثيرا في زيادة شعبيته في السنوات الأخيرة ونعتقد أنها كفيلة بمساعدته أيضا في المحافظة على أغلبيته البرلمانية.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com