ناقشنا في المقالة السابقة التقرير المتعلق بملف الإمارات الصادر عن مجلس حقوق الإنسان في جنيف والذي قام بعرضه معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية على رؤساء تحرير الصحف، وامتدحنا في تلك المقالة القفزة الداخلية الكبيرة التي خطتها الدبلوماسية الإماراتية في طريقة تعاطيها الجديدة مع ملف حقوق الإنسان.

حيث بدت المصارحة والمكاشفة واضحة أثناء عرض التقرير وذلك من خلال توضيح التوصيات التي قبلت والتوصيات التي رفضت وأسباب رفضها، والتوصيات التي مازالت قيد الدراسة والمناقشة، والجميل في الأمر أن التقرير قد عرض على المجتمع قبل أن يعتمد بصورة نهائية في مجلس حقوق الإنسان في جنيف.

التطورات التي حصلت في هذا المجال تتمثل في أن التقرير اعتمد بصورة نهائية في مجلس حقوق الإنسان في جنيف في 20 مارس الماضي وذلك بمشاركة وفد الدولة برئاسة معالي الدكتور أنور قرقاش، وقد بين معاليه الالتزامات التي قطعتها الدولة على نفسها، والتوصيات التي ماازالت قيد الدراسة وأبرزها التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بشأن حماية الأشخاص من الاختفاء القسري.

والتوقيع على البرتوكول الإضافي بشأن معاهدة عبر الجريمة المنظمة، وإدخال بعض التعديلات على القوانين الوطنية بشأن الجنسية وذلك للسماح لأبناء المواطنات المتزوجات من غير المواطنين بالحصول على جنسية أمهاتهم، والأخذ في الاعتبار الانضمام إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وقد وضح معالي الدكتور قرقاش أن الدولة سترد على هذه التوصيات في غضون السنوات الأربع القادمة، كما وضح معاليه الاقتراحات التي رفضت من قبل الدولة والتي اعتبرت منافية للنسق القيمي والديني لدولة الإمارات، ولكن جاء التقرير بشكل عام مرضيا للجميع في مجلس حقوق الإنسان والدليل على ذلك اعتماده من قبل الدول الأعضاء في المجلس.

في الواقع لا يمكن إنكار أن دولة الإمارات قد خطت خطوات كبيرة في هذا المجال منذ استعراض تقريرها في مجال وضع حقوق الإنسان فيها في ديسمبر 2008، فهي من ذلك التاريخ وهي تحاول أن تترجم تعهداتها والتوصيات خاصة الدولية منها المنبثقة عن عملية استعراض حقوق الإنسان فيها إلى منجزات على أرض الواقع، وهذا شئ جميل ويحسب للإمارات خاصة أن معظم مداخلات الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان كانت في مجملها إيجابية حول تقرير الإمارات.

اعتقد أن الإمارات بهذا الإنجاز الدولي في مجال حقوق الإنسان قد كسبت الجولة الأولى، يبقى الآن من اللجنة الوطنية أن توسع من نطاق اختصاصها وتنظر إلى الداخل وتعيره المزيد من الاهتمام، فالداخل هو صمام الأمان بالنسبة لمستقبل الدولة وجواز عبور لها في الخارج يؤهلها بأن تتخذ مكانة مرموقة في المجتمع الإنساني الدولي، وأذكر عندما كتبت المقالة السابقة وصلتني العديد من استفسارات القرّاء حول عنوان اللجنة الوطنية.

فاللجنة الوطنية اليوم مطالبة بإنشاء هيئة مستقلة كما وعد بذلك معالي الدكتور قرقاش تتابع أعمال اللجان المنبثقة من الوزارات المعنية بمتابعة الموضوعات الإنسانية التي تعتبر قيد اختصاصها، كما تكون معنية بمتابعة مؤسسات المجتمع المدني وتعرض التقارير التي تصلها من جميع هذه الجهات بصفة دورية أمام المجتمع.

لذلك لا بد من وسائل اتصال تنشئها اللجنة لكي تتواصل من خلالها مع الناس ومع المجتمع خاصة مع الموضوعات التي تصب في صميم اهتمام ومشكلات الناس، فالتواصل في عالم اليوم أصبح سمة حضارية من سمات المجتمعات المتقدمة، ويكون التواصل إما عن طريق مواقع إلكترونية تدشنها اللجنة الوطنية، أو عن طريق مناقشة التقارير في الصحف والمجلات والتلفزيون.

فملفات الداخل مازالت تبحث عن حلول، حيث مازال أبناء وبنات المواطنات المتزوجات من غير المواطنين يئنّون ليل نهار، يتمنون اليوم الذي يشرق عليهم وهم قد حصلوا فيه على جنسية الدولة، فها هي مريم تسرد مشكلتها

وتقول:«أردت أن استفسر عن حالنا، نحن أربع أخوان عايشين في حضن الوالدة الله يعطيها الصحة والعافية، من يوم ونحن صغار والدنا هجر الوالدة، من يوم نحن أطفال تربينا عند الوالدة ودرسنا وكبرنا وعرفنا الحياة، أردنا اليوم أن نعيش حياتنا ونكمل مثل أصدقائنا وإخوانا وخوالنا اللي نحن عايشين بينهم بس للأسف شو تقولون عن حالتنا عن أبناء مواطنة مطلقة، أولادها تحت حضانتها من لما كانوا أطفال (نحب الإمارات نرفع رايتها فوق نتمنالها الرفعة والنهضة الشاملة)، انتهى.

كلمات مريم تختزل معاناة الكثير من أبناء وبنات المواطنات الذين لم يعرفوا وطن ولا دولة غير الإمارات، ولدوا وتربوا وترعرعوا بين أحضانها، ولا أحد يمكن أن يساوره الشك في ولائهم وانتمائهم، وإننا على يقين تام أن هناك إجراءات إنسانية وقانونية ستشرف عليها اللجنة الوطنية لدراسة هذا الملف والانتهاء منه..

كتب الأديب الروسي إيفان بونين في العشرينات من القرن الماضي في روايته القصيرة المعنونة بالربيع الذي لا ينقضي، وقال «نحن الآن أثرياء للغاية في الحقوق وبإمكاننا أن نتخلى عن بعض منها»، ولكن لو قدر لبونين أن يعيش فترة أطول سيكون بحق منبهراً بالانفجار اللاحق للإعلانات والمطالب الحقوقية والتطور الجدي الذي بدأ مع إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 1948.

ولو قدر له أن يعيش لزماننا هذا لرأى بأم عينيه كيف أن العالم تحول إلى قرية كونية صغيرة تخضع في معظمها لنفس القوانين والمطالب الحقوقية والإنسانية وأصبحت مسألة الالتزامات الإنسانية الكونية كثيرة ومعقدة ومتداخلة ومشتركة فيما بينها، فيحسب للإمارات اليوم أنها وضعت رجليها على الطريق الصحيح، كما يحسب لها تعاملها الراقي الموسوم بالشفافية والأريحية مع المجتمع الدولي، والمجتمع الداخلي.

كاتبة إماراتية