ذكرنا في المقالة السابقة كيف أن رقعة جغرافية شاسعة تمتد من حدود أفغانستان إلى المغرب العربي وضعت في حالة استنزاف بشري ومادي على مدى قرون من الزمن إلى اليوم. وهذا الاستنزاف يتم على هيئة حروب وصدامات وإيجاد البيئة الصالحة لخلافات مذهبية سرعان ما تشتد وتتحول إلى معارك طاحنة بين الأطراف كما هو الحال في أفغانستان وباكستان ولبنان. والملاحظ أولا أن معظم هذه الدول إما عربية أو إسلامية.
ومن الملاحظ ثانيا، أن هذه الدول التي كانت يوما ما مستعمرات بريطانية وفرنسية أو إيطالية أو تلك التي لجأت إلى حماية الولايات المتحدة الأميركية فيما بعد لم تستخلص العبر من نتائج الاستعمار من حيث التخلف العلمي والاقتصادي والصناعي والذي كانت تنادي بتغييره بعد التحرر، فظلت مستمرة فيه أو بعبارة أخرى (مستمرئة) له حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على استقلالها.
بالطبع نحن لا نتحدث عن مثاليات أو نطالب بدولة أفلاطونية فاضلة. فهذه أصبحت موجودة على أرض الواقع ولا تبعد عنا سوى بأميال عدة، ونذكر منها على سبيل المثال الهند والصين وكوريا واليابان وتركيا. ولا أحد يعرف السر الذي جعل منا نبقى في مكاننا السابق، بل اننا نعتبر اليوم أنفسنا نرجع خطوات للخلف في كل مرة تخطو فيها الدول المتحضرة خطوات للأمام حتى ولو كنا واقفين في نفس الموقع.
إن دولنا تملك من الإمكانيات ما يفوق حاجتها لخلق بيئة صناعية واقتصادية وعلمية تجعلنا في مصاف الدول المتحضرة. ولكننا ؟ وهذا ما يؤسف له بالنسبة لنا وما يدهش الآخرين؟ اتجهنا نحو خلق بيئة غير صالحة للإنتاج وأحللنا مكانها بيئة صالحة للصدامات المسلحة.
إن دولا كسوريا ولبنان ومصر والأردن والعراق وإيران تستطيع أن تعيش دون أزمات اقتصادية لو استثمرت وبشكل مدروس ومخطط له فقط مواردها السياحية لا أكثر. فكل سائح أوروبي أو ياباني سينفق مع عائلته وعلى مدى أسبوع واحد من الإقامة ما يكفي لضمان مدخول محترم لعائلة كاملة تكفيها لمدة شهر أو أكثر. فهو، أي السائح، يستهلك طوال مدة إقامته كل ما يقع بين يديه من المطاعم والفنادق والكهرباء والماء والتذكارات السياحية والدليل السياحي والمواصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية والطيران المدني وربما العيادات الصحية والصيدليات... إلخ.
هذا فقط في مجال السياحة على مستوى سائح أجنبي واحد. فما بالنا بعشرات الآلاف من السائحين؟ بالطبع هناك من سيرد بالقول بأن السياحة في بلادنا ناجحة. ولكن النجاح أمر وحجم النجاح أمر آخر. والتقدم في السياحة شيء والتخلف في السياحة شيء آخر. لقد جربت السياحة في واحدة من تلك الدول المذكورة ثم قررت بعد نهاية الرحلة عدم تكرار التجربة. ودون الدخول في تفاصيل الموضوع، فقد خرجت في النهاية بانطباع غير إيجابي عن مدى تخلف الخدمات المقدمة في واحدة من تلك الدول ناهيك عن النظر إلى السائح على أنه كيس نقود عليه أن يقوم بتوزيعها دون مقابل حقيقي.
وهذا ما يثير استهجان السائحين الأجانب وتنتقل الأخبار من شخص لآخر. إضافة إلى الأخبار التي ترد من خلال أجهزة الإعلام عن نشوب حرب أو تفجيرات أو صدامات أو حتى اختطاف السائحين. من يجرؤ بعدها على الذهاب إلى مصر حين يسمع في الأخبار حدوث انفجار في حي سياحي في القاهرة يودي بحياة مجموعة من السياح الفرنسيين؟ أو أن مجموعة من السياح الألمان أو الكوريين أو اليابانيين قد تم اختطافهم في اليمن التي تعتبر في نظر المثقف الأجنبي متحفا تاريخيا وطبيعيا لا نظير له في العصر الحديث؟ خاصة وأنها أحداث تكررت مرات ومرات.
ونحن هنا لسنا لدراسة الحالة السياحية، ولكننا من خلالها نضرب مثلا لمدى الخسائر التي تلحق بنا ونكون نحن سببا فيها، ومن ثم نشكو من التخلف والضعف الاقتصادي والحضاري. ترى كم تستثمر تلك الدول العربية في مجال الدعاية والإعلام للسياحة فيها؟ لا توجد أرقام ولكنه يبدو من التجربة أنها لا تستثمر شيئا يذكر. لقد زرت إحدى الدول العربية وبحثت في كل مكتباتها عن كتاب دليل سياحي واحد يرشدني إلى المناطق السياحية فيها، ولم أجده. ولم أجد حتى خارطة لتلك العاصمة، وضحك البائع مني قائلا لي أنني لست في باريس أو لندن! ولا نضيف على ما قلنا إهمال المواقع السياحية بحيث قد تتعرض للاندثار في يوم ما...
إن من أسباب هذا التأخر في مجال واحد فقط من مجالات التنمية والاستثمار في الدول العربية هو انشغالنا وإشغالنا بقضايا تدميرية واستنزافية وليست بنائية واستثمارية. هناك في (الخارج) من يستفيد من تخلفنا وهناك في (الداخل) من يساهم في مد يد المساعدة على هذا التخلف. بل والمصيبة الأكبر أن هناك من يشكل في الخارج جماعات وتنظيمات (تحت شعار المعارضة) لإقناع الدول وحكومات الدول الغربية والأجنبية بالتدخل العسكري في بلده لقلب النظام القائم.
وهذه أيضاً مسألة أخرى كان بإمكاننا حلها بطرقنا الخاصة دون دفع هؤلاء إلى تلك المرحلة من التذمر. لماذا لا يذهب اليابانيون إلى فرنسا طلبا للجوء السياسي وليس (السياحي)؟ لماذا لا يهرب الخبراء الفرنسيون إلى الولايات المتحدة طلبا للرزق؟ لماذا لا يهرب البريطانيون إلى كندا للحصول على الجنسية الكندية؟ بالطبع هناك أسباب تدعو لذلك والقائمون على الأمر غير عابئين بمصير عشرات الآلاف بل الملايين من العلماء العرب والمسلمين الذين فروا من بلدانهم إلى شتى أنحاء العالم للبحث عن لقمة عيش!
إن مدخول السياحة لمدة سنة واحدة، في واحدة من الدول العربية أو الإسلامية، يكفي لبناء مصنع تعليب الفواكه التي تنتجها المساحات الزراعية في تلك الدولة. ومصنع التعليب هذا يكفي لتوظيف آلاف الأيدي العاملة. وآلاف الأيدي العاملة هذه كافية لتصدير منتجاتها إلى الخارج والحصول على العملة الصعبة التي تشكل هاجس العديد من الدول غير المتحضرة. ولكن ما يحدث هو أن ناتج السياحة في بعض الدول يتحول إلى برنامج تسلح يرمي إلى شراء أسلحة تقليدية متخلفة وغير صالحة وغير مستخدمة. فكيف تنمو الدول إذا أصبح همها الأول الانشغال بشراء الأسلحة لأنها في حالة حرب مستمر والتفكير ثانيا بمقاطعة كل من لا يشاركها الرأي لأنه يشكل خطرا عليها وأخيرا العمل على تصفية حساباتها مع جيرانها لأنهم يمثلون عقبة في طريقها؟
جامعة الإمارات