في غياب مقصود لرئيس أكبر دولة عربية، وربما أكثر دولة على صلة بكل الملفات المطروحة بعد أصحاب هذه الملفات، انعقدت قمة الدوحة التي تحصل على الرقم المتسلسل (21) وأنهت أعمالها خلال وقت قياسي لم يتجاوز الساعات العشر.
ربما كان رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جبر آل ثاني، الوحيد الذي فسر بطريقة غير مباشرة بعض أهم أسباب غياب الرئيس المصري، حين اعتذر علناً في مؤتمر صحافي جمعه مع أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، عن دعوة بلاده للرئيس الإيراني ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، لحضور القمة غير مكتملة النصاب التي انعقدت في قطر لمناقشة العدوان على غزة.
الأمر بالنسبة لمصر ليس شكلياً، فلقد أدت التجاذبات العربية والإقليمية التي تشكل قطر جزءاً منها، إلى عدم توصل أطراف الحوار الفلسطيني إلى اتفاق، كان يفترض أن يتم قبل قمة الدوحة، ويعكس توافقاً عربياً على دعم دور مصر إزاء الملف الفلسطيني.
قطر كانت صادقة في تذليل العقبات أمام حضور كل الرؤساء والملوك العرب، حتى لو اقتضى ذلك أن يعلن رئيس وزرائها ووزير الخارجية «التوبة» علناً، فيما يعتبر مفاجئاً للرئيس مبارك خاصة وأن التوبة جاءت في اليوم الذي سبق انعقاد القمة.
في الواقع فإن إنجاز القمة خلال هذا الوقت القصير، يعد مؤشراً إما على توفر مناخات إجماع عربي حول الملفات الثلاثة المطروحة على القمة، بما يؤدي إلى اختصار المناقشات والكلمات، وهذا يعني أن الاجتماعات التحضيرية لوزراء الخارجية العرب، والتحركات الجانبية، قد كانت مثمرة، وإما أن القضايا المطروحة لا تحتمل الكثير من الجدل والاختلاف، وبأن ثمة شطارة في صياغة القرارات، تنجح في تدوير زوايا الكلام، دون أن تظهر ما يبرر إعلان الاختلاف.
قبل القمة كان أمين عام الجامعة العربية قد أعلن أن هناك تقدماً في ملف المصالحات العربية، وأن إنجاز هذا الملف يحتاج إلى المزيد من الجهد، لكنه حين قال ذلك لم يقصد أن ما تبقى في هذا الملف، يتصل فقط بالخلاف بين الزعيم الليبي معمر القذافي وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.
الأمر الذي بادر أمير قطر إلى جمع الطرفين وإنهائه بعد أن ساد لغط كبير بشأن ما صدر على لسان القذافي بحق الملك السعودي خلال جلسات القمة.وفي المقابل غادر الرئيس اليمني علي عبد الله صالح القمة، ليفتح ملف خلاف جديد، حين احتج على عدم السماح بمناقشة ورقة يمنية تتضمن رؤية لمعالجة العمل العربي المشترك.
إزاء ملف المصالحات العربية الذي كان الأول والأهم أمام الزعماء العرب، وبالرغم من كثرة الحديث والجهد والتركيز الإعلامي على الموضوع، إلا أن التوافق على العبارات التي تضمنها البيان الختامي، لا تكفي للاطمئنان بأن ما بعد القمة يختلف عما قبل القمة في ظل التباين في المصالح القطرية، والتباين في المراهنات على كيفية التعامل مع جديد الإدارة الأميركية.
ويبدو أن علينا انتظار نشاط عارم لرئاسة القمة وهي قطر، لمتابعة معالجة هذا الملف، كواحد من واجباتها إزاء متابعة قرارات القمم العربية وهو دور على القطريين أن يؤدوه بعد أن نجحت وساطتهم في لبنان والسودان.
وفي الواقع فإن المعالجة الحقيقة لملف الخلافات العربية، وملف تحسين العمل العربي المشترك، لا يحتاج إلى لقاءات مصافحة وتقبيل وتبادل المجاملات بين المسؤولين والزعماء، بقدر ما أن ذلك يحتاج إلى حوار عقول وخبراء يعالج الأسباب الحقيقية للخلاف، ويقدم للزعماء مشاريع قرارات بشأن الخيارات والاستراتيجيات المطلوبة، وممكنة التحقيق لتحسين بيئة السياسة العربية، وتوفير آليات حقيقية لتعزيز العمل العربي المشترك.
في الملف الثاني وهو ملف الرئيس السوداني عمر البشير مع محكمة الجنايات الدولية، كان من الطبيعي أن يعبر الزعماء العرب عن تضامنهم معه ورفضهم لقرار المحكمة، حتى لا يشكل ذلك سابقة للتطاول على زعماء عرب آخرين بأسباب وذرائع مشابهة أو مختلفة خاصة وأن بيوت بعضهم هي من زجاج. وإذا كان العرب قد أكدوا على ضرورة أن تقوم الحكومة السودانية بملاحقة ملف التهم بالإبادة والاغتصاب الجماعي التي وجهتها المحكمة الدولية للرئيس البشير.
فقد كان من الأفضل أن تكلف لجنة عربية متخصصة بمتابعة هذا الملف بالتعاون مع الدولة السودانية بما يسحب البساط من تحت أقدام محكمة الجنايات وبما يساعد على خلق مناخات أفضل لمعالجة الملف على المستوى الدولي. وثمة ما يستدعي أن يستخرج الزعماء العرب درساً مهماً من ملف الرئيس «البشير»، ويتصل بضرورة إجراء تغييرات جذرية ملموسة، إزاء العلاقة بين الحكام والمحكومين، وإبداء حساسية واضحة إزاء ملف حقوق الإنسان، تلك الحقوق التي تنتهك صباح مساء في أكثر من دولة عربية.
الملف الأخير، وهو الذي يتصل بالتأكيد مجدداً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي دمره العدوان الإسرائيلي. في الصياغة لا يحمل البيان جديداً، ذلك أن الزعماء العرب يعرفون الاستحقاقات التي ينطوي عليها هذا الملف، بدءاً بضرورة العمل جماعياً، وبدون مراوغة وأفخاخ ، من أجل دعم الدور المصري إزاء إنهاء ملف الانقسام الفلسطيني، وصولاً إلى فتح المعابر، ورفع الحصار عن القطاع، وإلا فإن القمة المقبلة في ليبيا قد تنعقد قبل أن يتم تنفيذ قرار إعادة إعمار غزة.
أجواء القمة ما أعلن عنها وما لم يعلن ستنعكس على الفصائل الفلسطينية خلال جولة الحوار الثالثة في القاهرة، فتلك هي المرآة الأولى لفحص حقيقة ما جرى في قمة قطر، وهي أيضاً المحك الأول للوقوف على مدى التوافق أو الاختلاف بين أطراف الخلاف العربي.وأيضاً يمكن التعرف على مدى نجاح القمة في معالجة الخلافات العربية إزاء الموضوع الفلسطيني من خلال السلوك المصري، بمعنى طريقة التعامل مع الأطراف الفلسطينية الأساسية.
هل ستكون قمة قطر، مجرد رقم في تسلسل القمم العربية أم تشكل نقلة إلى الأمام في مواجهة تحديات السياسة الإسرائيلية التي يقودها اليمين المتطرف، فضلاً عن التحديات الإقليمية، والتحديات الجارحة التي تستنزف جسد الأمة؟ هذا هو السؤال.
