بلغ عدد مؤتمرات القمة العربية واحداً وعشرين مؤتمراً (كان آخرها مؤتمر الدوحة) ومع ذلك لم تقم لهذه المؤتمرات مؤسسة محددة ثابتة مستقرة تهتم بشؤونها وتتابع مقرراتها وتهيئ اجتماعاتها وتعطيها صفة التواصل والديمومة، ومازالت إدارات جامعة الدول العربية هي الموكلة بهذه المؤتمرات التي تشغل جانباً من وظائفها ومهماتها.
ورغم أهمية القرار العربي (التاريخي) عام (2001) الذي حول مؤتمرات القمة من مؤتمرات تعقد حسب الحاجة أو بمبادرة من بعض القادة أو تحت الظروف الطارئة إلى مؤتمرات سنوية دورية، فلم يترافق مع هذا القرار إنشاء هيكلية جديدة مضافة إلى هيكليات العمل العربي المشترك أو مؤسسة موازية تتبع القمة وتهيئ لها كل ما تحتاج إليه، كإدراج المواضيع التي ستناقشها القمة في جدول أعمالها، وإعداد الدراسات اللازمة لها، واقتراح عقد المؤتمر وتحديد زمانه ومكانه، وتولي جميع الإجراءات التنظيمية واللوجستية التي يحتاجها انعقاده.
إن المعمول به حتى الآن هو أن الحكومات العربية تبدأ التشاور قبل عقد المؤتمر بأسابيع قليلة للاتفاق على جدول الأعمال الذي يقره وزراء الخارجية، ولعدم وجود عمل مؤسسي جاد وجدي وفعال وعصري فغالباً ما يغيب عن جدول الأعمال هذا الإعداد الجيد للقضايا الاستراتيجية الكبرى التي يقع التعامل معها على عاتق الرؤساء، وغالباً ما يختلط في جدول الأعمال الرئيسي مع الثانوي، والقضايا الهامة جداً مع القضايا قليلة الأهمية.
وتغيب الدراسات الضرورية الشاملة والعميقة ولذلك تدرج في جدول الأعمال قضايا كبيرة مثل (المبادرة العربية) أو (السياسة الأمريكية المستجدة بعد انتخاب الرئيس أوباما) أو (الموقف من الحكومة الإسرائيلية الجديدة بعد أن فاز اليمين المتطرف في الانتخابات الإسرائيلية) أو ما يشبه ذلك دون أن تترافق مع دراسات سياسية أو اقتصادية تشمل جميع جوانب الموضوع المراد بحثه.
وإن توفرت مثل هذه الدراسات فإنها تقدم عادة للقادة أو لوزراء خارجيتهم قبل أيام فقط من انعقاد المؤتمر، وبالتالي يصبح الأمر واجباً بيروقراطياً يؤديه موظفو الجامعة العربية، لا أمراَ جوهرياً ملحاً يهدف للإحاطة بالموضوع قبل بحثه. ولا شك أن الرؤساء ووزراء خارجيتهم بحاجة فعلية لدراسات شاملة حول المواضيع المعروضة عليهم، تتضمن المعلومات الضرورية بأدق تفاصيلها والآفاق المقبلة لتأثير هذه المواضيع والنتائج المحتملة لها إضافة إلى المقترحات الضرورية التي تسهل على القادة اتخاذ القرار.
إن ما شهدناه وما عرفناه ولاحظناه خلال خمسة وثلاثين عاماً من بدء انعقاد مؤتمرات القمة العربية الحديثة (هذا إذا تجاهلنا قمة أنشاص وقمة القاهرة 1956) هو أن عقد هذه المؤتمرات لم يكن في أساسه في إطار ونصوص النظام العربي القائم (ميثاق الجامعة العربية) ولم يعهد به إلى مؤسسة مستقلة أو إدارة مستقلة تابعة للقمة نفسها، وكانت المؤتمرات، تعقد بمبادرة من ملك أو رئيس دولة أو عدد من الرؤساء، لمناقشة قضية طارئة في الغالب، أو أمر داهم.
وهذا كان حال المؤتمرات التي عقدت بعد محاولة تحويل مجرى نهر الأردن من قبل الكيان الصهيوني (1964) أو الحرب (الأخوية) بين الفلسطينيين والحكومة الأردنية (1970)، أو الحرب الأهلية اللبنانية (في سبعينات القرن الماضي) أو محاولة إحراق المسجد الأقصى (1969)، أو غزو العراق للكويت (1990) أو ما يشبه ذلك، أي أن انعقاد مؤتمرات القمة كان عادة رد فعل على فعل أو على مصيبة كبرى تطاول قطراً عربياً أو الأمة برمتها.
ونادراً ما شهدنا عقد مؤتمرات مخططة مسبقاً ومدروسة لمناقشة قضايا استراتيجية عربية اقتصادية أو ثقافية أو سياسية أو اجتماعية، غير طارئة، يحتاجها التطور وتفرضها الظروف، مما يؤثر على تطور الأمة ومستوى حياة شعوبها أو أمن هذه الشعوب.
ورغم صدور القرار الهام بتحويل مؤتمرات القمة إلى مؤتمرات سنوية دورية فإن أمر وظائفها وآلية عملها لم تتغير كثيراً، وما زالت جداول الأعمال قريبة مما كانت عليه منذ مؤتمر القمة الأول عام (1964) أعني جداول تتناول قضايا دون دراسة أو قضايا طارئة، وقد أضيف إليها مؤخراً (بند) المصالحات العربية.
وكأن هم القمة الرئيس أو مهمتها الأولى هي إطفاء الحريق دائم الاشتعال بين القادة العرب وأنظمتهم واستطراداً بين بلدانهم، حتى أصبح بالإمكان تصنيف أهداف مؤتمرات القمة تحت واحد من ثلاثة (مؤتمر مصافحة أو مصارحة أو مصالحة).
لعله من البديهي القول أن المهمة الأساسية لمؤتمرات القمة العربية هي دراسة حال الأمة واستعراض الظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بها خلال عام مضى، وتوقع التطور خلال عام مقبل، ودراسة ما أنجزته الأمة فيما يتعلق بواقعها السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ودورها الإقليمي وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وتوجه سياساتها المقبلة.
وقبل هذا وذاك مسار تعاونها وتضامنها وما يلزمها من اتخاذ مواقف موحدة تجاه المنظمات الإقليمية والمنظمات الدولية والدول الكبرى والسياسات المؤثرة في العالم وهذا يصعب تحقيقه بدون مؤسسات وعمل مؤسسي، وعندما يتحقق ذلك تكون مؤتمرات القمة قد قامت بدورها وأدت مهماتها واستحقت أن ترسم السياسات متعددة الجوانب لجميع أقطار الأمة.
إما إذا بقي الحال القائم كما هو عليه فستبقى هذه المؤتمرات تقتصر على إطفاء الحريق. وملامسة القضايا ملامسة سطحية، بل والأشد خطراً هو أنها ستساهم في تكريس العمل القطري وتسهيل الطريق ليسير كل بلد وحده دون أن يهتم بمسيرة الآخرين.