هنالك ما يجلب الانتباه، ويثير التساؤلات، حول مغزى الزيارات المتتالية، الرسمية وغير الرسمية، التي يقوم بها كبار المسؤولين الإيرانيين إلى العراق، لإجراء لقاءات مع نظرائهم العراقيين من جهة، ولقاء المراجع الدينية في النجف، وخاصة السيد السيستاني، من جهة أخرى.

ومع أن الساحة العراقية، قد شهدت منذ سقوط النظام السابق حضوراً إيرانياً واضحاً، وصل حد التدخل، بشكل مكشوف، في الشأن العراقي، إلا أن تلك الفترة لم تشهد زيارات للمسؤولين الإيرانيين بالكثافة التي شهدناها خلال الشهرين المنصرمين.

فقد زار العراق خلالهما أربعة مسؤولين كبار في إيران، منذ آخر زيارة قام بها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى العراق، في مايو من العام المنصرم. الزيارة الأولى، قام بها وزير الخارجية منوشهر متقي، زار خلالها، لأول مرة، إقليم كردستان، والثانية قام بها وزير الخارجية الأسبق علي أكبر ولايتي، مهندس السياسة الخارجية الإيرانية، ومستشار المرشد الأعلى خامنئي، والثالثة قام بها أحد أبرز رموز المؤسسة الإيرانية الحاكمة على مدى العقود الثلاث المنصرمة هاشمي رفسنجاني، الرئيس الإيراني الأسبق، ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام حالياً.

وهي زيارة أثارت الكثير من الأقاويل وأعادت إلى الأذهان مأساة ثمان سنوات من حرب ضروس بين العراق وإيران، وخضعت، على غير المعتاد، لأعراف لا تتفق مع بروتوكولات الزيارة، المتعارف عليها، سواء في الإستقبال أو في التوديع. وأخيراً زيارة علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الإيراني، غير الرسمية، إلى النجف للقاء المراجع الدينية الكبار فيها.

وبالقدر الذي حظيت اللقاءات مع المسؤولين العراقيين من اهتمام لدى الزائرين، كانت لقاءاتهم مع المراجع الدينية لا تقل أهمية عن ذلك. فالمعروف أن المراجع الأربعة الكبار، في مدينة النجف، والذين يحملون لقب آية الله العظمى، وهي درجة تؤهل حاملها في الإفتاء الفقهي، لا يقرون مبدأ ولاية الفقيه المعمول به في إيران.

وهو خلاف يعكس، في الوقت الحالي، تداعيات سياسية أكثر مما هي فقهية، خاصة في ظل أوضاع إقليمية تشهد الكثير من المستجدات. فمبدأ ولاية الفقيه مدخل لتسيس الدين، ووضع المجتمع تحت قيادة المؤسسة الدينية، وإبعاده عن الحياة المدنية.

وسائل الإعلام، من جانبها أشارت إلى أن المباحثات التي أجراها هؤلاء المسؤولون كانت ناجحة، وقد تطرقت إلى شؤون عدة سياسية واقتصادية، لتطوير وترسيخ أطر التعاون بين البلدين في المستقبل. إلا أن ذلك لا يفسر زيارات ولايتي ورفسنجاني ولاريجاني، الذين لا يشغلون مراكز تنفيذية في المؤسسة الحاكمة في طهران.ولعل ما يكشف بعض الغموض عن الأسرار التي أحاطت بهذه الزيارات التي أشرنا إليها، موقفان اتخذهما السيد علي السيستاني:

1 ـ اعتذاره عن لقاء الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عند زيارته الأخيرة للعراق في مايو من العام المنصرم. فعدم زيارة الأخير، لكل من مدينتي النجف وكربلاء، اللتان تشغلان حيزاً كبيراً في الفضاء الروحي للطائفة التي ينتمي إليها الرئيس الإيراني، لم يكن بسبب ضيق الوقت، أو جدول الأعمال المزدحم، الذي اقتصر على لقاء المسؤولين العراقيين، كما صورت ذلك الدوائر الإعلامية، وإنما بسبب عدم حماسة المرجع الديني لهذا اللقاء.

2 ـ اعتذاره عن قبول الدعوة التي وجهت إليه، من قبل هاشمي رفسنجاني، لزيارة طهران.

توقيت هذه الزيارات، وتكثيفها، في الآونة الأخيرة، له أهميته في حسابات طهران، وله أهميته لدى المتابعين للشأن الإيراني كذلك، فهي تأتي في فترة تشهد أحداثاً سياسية كبيرة وهامة، منها:

1 ـ صعود الرئيس أوباما إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وما نشأ عن ذلك من حراك لكسر الجمود في العلاقات الأميركية الإيرانية بعد خطابه الإيجابي في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع إيران.

2 ـ نتائج انتخابات مجالس المحافظات في العراق، التي عكست تراجعاً في نفوذ الجماعات التي اعتمدت الخطاب الديني الطائفي في حملتها الانتخابية، وتَحَسُب إيران من نتائج الانتخابات النيابية القادمة، نهاية هذا العام، في ضوء تفكك كتلة الائتلاف العراقي الموحد وتراجع شعبيتها.

3 ـ المصالحة العربية التي بدأت في قمة الكويت الاقتصادية، وتسارعت عجلتها في القمة المصغرة في الرياض، واستباقاً لقمة الدوحة التي عقدت مؤخراً.

4 ـ الانفتاح الأوروبي المباشر والأميركي غير المباشر على حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزة، وهو ما يقلق الدوائر السياسية في طهران.

هذه التطورات، بدأت تسبب أرقاً كبيراً لإيران، فهي تصب في إستراتيجية تقود إلى إضعافها وتحجيم دورها في المنطقة، وليس في العراق فحسب. فالولايات المتحدة، والترويكا الأوربية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، والدول العربية، التي لم يعد بعضها يخفي قلقه من تزايد الدور الإيراني في المنطقة، ستكون أكثر قدرة عن ذي قبل لتحجيم دور طهران خارج الأراضي الإيرانية، وتسهيل عملية احتوائها.

صحيح أن الولايات المتحدة في حالة تراجع نسبي، على المستوى العالمي، بسبب الأزمة المالية العالمية وإستراتيجية الإدارة الجديدة، إلا أن من الخطأ، وربما من الخطر، قراءة ذلك بشكل غير سليم. فهنالك ثوابت في السياسة الأمريكية لن تستطيع نعومة الكلمات التي حملتها رسالة الرئيس الأميركي إلى الشعب الإيراني، بمناسبة عيد النوروز أن تُميع صلابتها أو تغير من فحواها.

وما التغيير في لغة الخطاب سوى تغيير في التكتيكات التي تنتهجها الإدارة الجديدة للحفاظ على نفس الثوابت. فالزيارات الأخيرة المكثفة لهؤلاء المسؤولين الإيرانيين إلى العراق هي من غير شك ردود فعل دفاعية لمقاومة هجمة كبيرة تُشن على ما تعتبره طهران معاقل لها هنا وهناك.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae