قالت لي السيدة: «اكتبي عن هذا يا دكتورة».. فأجبتها: يبدو أن كل ما يحدث حولنا يحتاج أن نكتب عنه.. أردت أيضًا أن أقول لها: إننا نكتب، وسنستمر في الكتابة، لكن المشكلة أن الناس المعنية لا تقرأ، وإن قرأت فإنها لا تهتم بما تقرأ.

كان ذلك في ممرات أحد المراكز الطبية الخاصة، ونحن ننتظر لمدة ساعتين أو أكثر تقريبًا. في ذلك الوقت كان الطبيب الذي ننتظره منذ الرابعة عصرًا قد وصل منذ أقل من نصف ساعة، وقد جئنا مبكرين بناء على طلب الموظفة المسؤولة عن تسجيل أسماء المرضى، حتى نضمن دخولنا على الطبيب، بعدما رفضت أن نراه حين وصلنا في حوالي التاسعة والنصف صباحًا، لأن عدد المرضى الموجودين قبلنا تجاوز العشرين، والطبيب لن يستطيع رؤية أكثر من هذا العدد خلال الفترة الصباحية.

حتى الخامسة إلا ربع لم تكن تلك السيدة قد وصلت... أي أنها طلبت منا الحضور قبل الموعد الذي ستصل فيه هي بساعة إلا ربعا، وكان عدد المرضى الذين وصلوا قبلها قد زاد على الاثني عشر مريضًا تقريبًا، قمنا بتسجيل أسمائنا على ورقة بحسب ترتيب وصولنا، كي يضمن كل واحد منا دوره في الدخول بحسب وقت وصوله.

كل هذا يمكن أن نتجاوزه، مع أن ساعات الانتظار صعبة، خصوصًا للمريض، فكيف بمريض انتهى لتوه من عمله، وتوجه مباشرة إلى العيادة، قبل الذهاب للمنزل للراحة أو لتناول وجبة بعد يوم عمل طويل.. كل ذلك كسبًا لوقت سيُحسب عليه.

وصل الطبيب حوالي الخامسة والنصف أو بعدها، ولم يُلتفت للقائمة التي جهزناها، إذ قالت الموظفة إن هناك ثلاثة مرضى لم يتمكن الطبيب من رؤيتهم في الفترة الصباحية، وسيدخلون قبلنا نحن الذين ننتظر منذ الرابعة... فقَبِلنا بذلك لأنهم انتظروا قبلنا ولم يتمكنوا من رؤية الطبيب.المشكلة أن الطبيب حين سُئل عن ذلك قال إنه رأى جميع المرضى الذين جاؤوا في الفترة الصباحية، ولم يغادر العيادة إلا بعد أن انتهى منهم جميعا. معنى هذا أن هناك طرفًا (الموظفة أو الطبيب) لا يقول الحقيقة..

وهذا أمر يتكرر كثيرًا أيضًا.. وربما اعتدنا عليه. ومن الممكن أن يكون هؤلاء المرضى الثلاثة قد سجلوا أسماءهم فقط، لكنهم لم ينتظروا في العيادة، بل عادوا إلى بيوتهم، أو إلى أعمالهم، ثم وصلوا إلى العيادة عند اقتراب موعد نهاية الفترة الصباحية، وزعموا أنهم ينتظرون منذ الصباح ولم يأت دورهم، والتبس الأمر على الموظفة، فاعتذرت منهم لأن الطبيب قد غادر، وأنهم إن جاؤوا عصرًا الساعة الخامسة سيدخلون مباشرة على الطبيب قبل أي شخص آخر، وهذا ما حدث حين وصلوا بعدنا ودخلوا قبلنا..

وهو أمر يحدث كثيرًا، لم تكذب فيه الموظفة، ولم يكذب فيه الطبيب، ولكنهم وقعوا ضحية كذبة غيرهم.وهذا أيضًا مما يمكن أن نتجاوزه، وإن كنا لا نقبله، لأنه سلوك لا يعبر عنا كأشخاص ننتمي إلى مجتمع مسلم بالدرجة الأولى، وهذه السلوكيات القائمة على الخداع والكذب لا تتناسب مع ديننا. كما أننا مجتمع متحضر، وهذه السلوكيات غير حضارية، ولا تعبر عنا.

الذي لا يمكن أن نتجاوزه هو أن يأتي أحد بعد أن يبلغ عدد المرضى عند هذا الطبيب العشرين أو أكثر قليلا، وترفض الموظفة أخذ بطاقته لإدخاله على الطبيب وتطلب منه العودة في اليوم التالي، فيقول لها «أوووووه» مع حركة يد تدل على الاستخفاف، ويتوجه مباشرة إلى غرفة الطبيب ويقف على بابها، حتى إذا خرج المريض الموجود في الغرفة، دخل وأغلق الباب خلفه.

هذا ما حدث ونحن نرى بذهول غير مصدقين أن يوجد أحد بهذه الأخلاق وبهذا التبلد وبهذه الجرأة في غير الحق. لم نسكت، بل ذهبنا وقلنا للموظفة إن سيدتين ومعهما طفلة صغيرة قد دخلتا على الطبيب مع أنهما وصلتا الآن فقط، لم تصدق، وجاءت معنا لتتأكد بنفسها، فوجدت أن ما نقوله صحيح. لم تعلق..

ولكنها سمحت لي بأن أدخل غرفة الطبيب وأقول له ما أريد.. ففعلت، وقلت له إنني لا أرضى أن أنتظر أنا وبقية المرضى ساعتين ونصف، ثم تأتي هاتان السيدتان لتدخلا قبلنا.. لكن قبل أن ينطق الطبيب بكلمة تفوهت كلتا المرأتين بما أبان عن مستواهما الفكري، مع أنهما شابتان في مقتبل العمر، إلا أنهما تفكران بمنطق إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب، أو بحسب معنى المثل العامي «من سبق لبق«، فلم ألتفت إليهما، وطلبت من الطبيب رأيه، فقال إنه يرى ضرورة أن يحترم كل مريض دور الآخرين..

فلم تعيرا كلامه اهتمامًا، واستمرتا في لغوهما فشكرت الطبيب وخرجت.لو أن هذا الطبيب رفض علاجهما حتى يأتي دورهما لكان قام بفعل إيجابي، وخفف من حالة الفوضى التي تتسم بها عيادته، وهو مسؤول عن جزء كبير منها، لكنه لم يفعل، وبرر موقفه بأنه يوفر وقته ووقت بقية المرضى.

مثل هذا يحدث أيضًا أثناء انتظارنا في بعض الدوائر الحكومية، على الرغم من وجود الأرقام ومن صرامة بعض الموظفين أحيانًا، إلا أننا نجد مثل هؤلاء الذين لا يزالون يعيشون في زمن باد واندثر في كل مكان.

إن مثل هذه السلوكيات تؤذي صورة المواطن عند الآخرين الموجودين بيننا بكثرة، وعلى الرغم من الاستياء الظاهر الذي بدا على الموظفة والممرضة وعدد من المرضى إلا أنهم بدوا معتادين على ذلك.. حتى عندما سألت الممرضة، وهي من إحدى الجنسيات الآسيوية، عن السيدتين ذكرت لي مباشرة اسم العائلة بتعابير وجه مستاء، وقالت إنهم دائما يفعلون ذلك.

المؤسف في الموقف كله هو أن هاتين السيدتين لم تشعرا بأنهما فعلتا شيئًا خطأ، وبقيتا حتى آخر لحظة تؤكدان ذلك وبصوت عال جدا، حتى وهما تريان عدم رغبة أي منا في سماع كلمة منهما بعد أن اتضح منطقهما الأعوج في أول كلام نطقتا به.

أعود لقول تلك السيدة، وهي مدرسة فاضلة التقيت بها ذات صباح في محاضرة قدمتها في إحدى المدارس، والتقيت بها صدفة في ممرات هذه العيادة في ذلك اليوم،: «اكتبي عن هذا يا دكتورة».. سأكتب يا عزيزتي، ولكن هل تعتقدين أن مثل هاتين السيدتين تقرآن ما نكتب؟

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com