لعل الوعي بأهمية المحافظة على المكتسبات الطبيعية لايزال بعيدا عن اهتمامات كثير من الناس على مستوى العالم أجمع، ولاسيما في العالم النائم الذي يتابع التظاهرات التي تحدث هنا وهنا والتي تحمل رسائل غاضبة وصارخة للحفاظ على الكوكب الحاضن للبشر، والتي قد ينظر إليها بنوع من التسطيح لأفكار ومبادئ هؤلاء، بل البعض يكاد يصمهم بالجنون أو التمرد نظرا لتعاطيهم مع قضايا بيئية مهمشة قد تفصل بينهم وبينها قارات، فالفرد الذي يجري في دوامة الحياة لا ينقصه وجع رأس يضيفه على أجندته المليئة بالمنغصات كي يقوم بتحمل أوزار العالم.

مناسبة هذا الحديث هو الخذلان الذي يشعر به البعض تجاه مجموعة من القضايا التي بدأت تخيم ظلالها على اللقاءات السياسية والقمم الاقتصادية والتي تعبر عن التهديدات الكارثية التي قد تدمر الأرض والتي قد لا تكون بمستوى الاهتمام المطلوب، لدرجة أن الذين يعرفون بحماة الطبيعة بدأوا يربطون بين التغيرات المناخية التي تحدث في العالم وبين اختلال الأمن.

وطبقا لتقرير للأمم المتحدة يحتمل أن ترتفع درجة حرارة الأرض بحلول عام 2010 بمعدل من 1,1 إلى 4,6 درجات مئوية مقارنة مع معدلات الحرارة خلال الفترة من 1980 ـ 1999، ما يؤدي إلى مخاطر أمنية تضرب مناطق عديدة في العالم، من أهمها منطقة الشمال الإفريقي (المغرب العربي) حيث يمكن أن يؤدي نقص المياه والمحاصيل الزراعية مع الارتفاع المستمر في أعداد السكان و«ضعف الحلول السياسية والقدرة على حل المشاكل»، إلى زيادة احتمالات حدوث أزمة سياسية وضغوط تدفع إلى مزيد من الهجرة للخارج.

ويشير التقرير إلى أن ارتفاع درجة الحرارة قد يؤدي أيضا إلى ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط وإغراق دلتا وادي النيل في مصر بالمياه المالحة التي تفسد الأرض الزراعية، أما منطقة جنوب آسيا التي تشمل الهند وباكستان وبنجلاديش فهي عرضة لمخاطر نقص المياه الذي يمكن أن يهدد حياة ملايين البشر.

أما بالنسبة لظاهرة الاحتباس الحراري التي ظلت تقلق العالم والتي كانت من أولويات النقاشات التي كانت تطرح على طاولة البحث للتقليل من هذه الظاهرة في جميع القمم الاقتصادية، فإنها لم تلق أي دعم ووضعت على الرف في مؤتمر بالي الذي عقد منذ عامين لنقاش التغيرات المناخية، بسبب تدخلات وضغوطات الولايات المتحدة لإسقاط هذا البند الهام .

والذي كان يهدف إلى خفض الانبعاث الحراري بنسبة 25 إلى 40 في المئة أقل من معدلات 1990 بحلول عام 2020، والمعروف أن الولايات المتحدة تعتبر اكبر المنتجين العالميين للغازات المسببة للاحتباس الحراري، فكما ذكر التقرير الذي أصدره الصندوق العالمي للطبيعة فإن الاحتباس الحراري سيلحق كارثة محققة بملايين الأفارقة، حيث سيؤثر شح الأمطار سلبا على المزروعات والثروة الحيوانية على حد سواء.

ولعل التغيرات المناخية في العالم التي لا تلاقي الاهتمام المتوازي مع خطورة تفاقمها، قد رسمت ملامحها بشكل واضح على بعض المناطق التي أصبحت ضحية حقيقية لهذه التغيرات، وتعد بنجلادش واحدة من هذه الدول المنكوبة بفضل ارتفاع نسبة منسوب الفيضانات، فقد غمرت المياه مساحات شاسعة من الأراضي، وتبدو لمن يراها من السماء وكأنها عائمة وسط بركة كبيرة، ويقول خبراء البيئة المحليون في بنجلادش انه ورغم أن بنجلاديش عادة ما تشهد الفيضانات سنويا بسبب العدد الكبير من الأنهار، إلا إن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعا في وتيرتها وحدتها نتيجة لعوامل التغير البيئي.

ومع تزايد ظواهر الأخطار بسبب التغيرات المناخية وغير المناخية التي باتت تهدد الكوكب الأرضي، فإن المتهم الأول والأخير في هذه التغيرات هو الإنسان نفسه الذي لا يشعر بفداحة سلوكياته التي قد يؤدي بعضها إلى نقمة كونية.

وهذا ما ذهبت إليه اللجنة الحكومية الأميركية للتغيرات المناخية والتي نشرت عام 2007 تقريرها التقييمي الرابع الذي قالت فيه إن التغيرات التي تحدث في المناخ العالمي هي «في الغالب» ناجمة عن الأنشطة البشرية. وقد طرحت إحدى الدراسات السؤال التالي: لماذا يتفاقم الانهيار البيئي وما السبيل لوقفه؟ وقد جاءت الإجابة بناء على رؤية العلماء، وتتلخص في «أننا سكان هذا الكوكب، بدأنا خلال العقدين الماضيين باستهلاك موارد كوكبنا بمعدلات لم يسبق لها مثيل«.

لذا يرى البعض أن حل مشكلة التغيرات المناخية يرتبط بزيادة الوعي لدى البشر، ناهيك عن تحول قضايا البيئة إلى قضية رأي عام عالمي، وهذا ما أطلقه «آل غور» نائب الرئيس الأميركي الأسبق، خلال حملته التي تتكلف 300 مليون دولار وتستمر ثلاث سنوات، بهدف حشد الأميركيين في المعركة ضد التغيرات المناخية، ويؤكد آل جور على أنه «يمكننا حل أزمة المناخ، لكن سيتطلب ذلك تحولا مهما في الرأي العام والمشاركة».

أما في دولة الإمارات فحسب تقرير التنمية التابع للأمم المتحدة قبل سنتين، فإن انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الإمارات بلغت 1,34 طنا لكل فرد عام 2004، إلا أن إطلاقها لمدينة صديقة للبيئة هو أحد التغيرات السلوكية الايجابية للبشر، خاصة وان هذه المدينة التي أطلق عليها اسم «مصدر» ستلعب دورا في تجديد رئة الطبيعة، فمنفذوها يريدون لها أن تصبح أكثر مدن العالم خضرة وأكثرها تقدما من حيث القدرة على البقاء، وستؤوي حوالي خمسين ألف شخص، وستكون مدينة دون سيارات وتعتمد بشكل كامل على الطاقة المتجددة، إضافة إلى أن هناك توجها لإنشاء أكبر محطة في العالم لإنتاج الطاقة الهيدروجينية بقدرة إنتاجية تناهز 500 ميغاوات.

أخيرا، وكما قال مدير مشروع «مدينة مصدر»: لقد حان الوقت للتفكير في المستقبل.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com