المسألة بسيطة جداً نظراً لخبرات الدول الكبرى الطويلة في التعامل مع المساحة الجغرافية الممتدة من أفغانستان إلى المغرب.

في السابق كان الشرق الأوسط هو محور اهتمام الغرب (بالذات مصر/ سوريا)، أما اليوم وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإن الدائرة قد توسعت بشكل مقصود.

لقد تم تحويل نظر الرأي العام وأصحاب القرار في هذه المنطقة إلى البحث عن حلول لأزماتها المختلفة الناتجة عن اختلاف الأطراف. وحيث ان الاختلافات أو الخلافات في الدول المثقفة ديمقراطياً (حيث يبدو أن هناك ديمقراطيات غير مثقفة أو مزيفة؟) تحل بطريقة واعية، فإن معظم دول العالم الثالث حلولها قد تزيد أزماتها تعقيداً ويستحيل الاتفاق على مشروع واحد.

فلو ألقينا نظرة على تلك المساحة الممتدة لاكتشفنا التالي:

ـ جمهورية أفغانستان الإسلامية في حالة حرب مستمرة، منذ الغزو السوفييتي في السبعينات من القرن الماضي، إلى المقاومة وهزيمة العدو، إلى أحداث سبتمبر والقاعدة، وأطراف النزاع غير متفقة على الحوار، والسبيل الوحيد في الحوار هو السيف، والتفجيرات والفقر والتخلف بكل معانيه، وتحويل إمكاناتها المحدودة إلى آلة هدم وليس بناء.

ـ جمهورية باكستان الإسلامية، يعتقد أنه مخطط لها لأن تصبح أفغانستان الثانية، نظراً لقربها من الأولى، ولخلافاتها مع جارتها الهند منذ أكثر من نصف قرن، ولوجود عناصر مثيرة للفتنة، مرة باسم الدين ومرة باسم التمدن. فأصبح همها اليومي حل مشكلاتها المتوالدة على الساحة.

ـ جمهورية إيران الإسلامية، وضعت نفسها منذ ثورة الإمام الخميني ـ وهي ثورة شعبية فرضت نفسها على مجريات الأمور ولم تكن مدبرة ـ في مأزق في تعاملها مع الغرب وفي تعاملها مع جيرانها في منطقة الخليج. ودخلت حرباً ضروساً (الحرب المفروضة أو قادسية صدام) مع جارتها العراق في بداية الثمانينات واستمرت ثماني سنوات وخلفت ما يقارب المليون قتيل غير الجرحى من الجانبين.

وكان الجانبان في حاجة إلى عشرات السنوات لتضميد جراح الشعبين النفسية والجسدية. وهي خسائر بشرية ومادية ذات مغزى كان من الممكن توظيفها لجعل هاتين الجمهوريتين في مصاف الدول المتقدمة! حيث خسر كل جانب ما يقارب من 000. 500 مليار دولار! ذهبت كلها أدراج الرياح.

ـ جمهورية العراق. وهذه أصبحت حديث الناس في الفوضى والقتل. فما أن خرجت من حربها مع إيران حتى أرسلت جيوشها إلى الكويت في حرب أكلت الأخضر واليابس، وعرضت نفسها لحرب جاءت جيوشها وأساطيلها من الغرب والشرق والشمال والجنوب، حتى دكت دكاً، وانتهت بسقوط النظام واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأميركية. وهي حرب بالطبع مفبركة ومدروسة (ولو بشكل غير دقيق)، لأن خسائر الولايات المتحدة البشرية والمادية فاقت كثيراً توقعاتها وساهمت في أزمتها الحالية.

ـ دولة الكويت، تعرضت للغزو العراقي، ودفعت ثمناً غالياً لكونها جارة نظام لا يرحم. ولو تمعنا في أسباب الغزو العراقي للكويت لوجدناه غير كاف لشن تلك الحرب المدمرة ولتحمل كل تلك الخسائر المادية والبشرية. ولكن كان لا بد من إشغال الرأي العام وأصحاب القرار واستنفاد مصادرها. وتم لهم ذلك. وتعافت الكويت من ذلك في زمن قياسي بفضل القدرات الأميركية المسلحة، ولكن فيما يبدو دفعت فواتير باهظة لتحريرها.

ـ مملكة البحرين، لم تسلم من الاضطرابات الداخلية ومن التدخل الخارجي. فهناك أصابع الاتهام الموجهة إلى إيران التي استغلت وجود نسبة كبيرة من أصحاب المذهب الشيعي هناك ليشكل بؤرة لنشر الفوضى. ولا أحد يعلم الحقيقة، إن كانت تلك الاضطرابات مصدرها المطالبة بحقوق غير ممنوحة أو بتدخل إيراني أو غير إيراني. المهم أن هناك من يريد زرع الفتنة من خلال العزف على وتر المذهبية.

ـ سوريا، لبنان: حصار وحروب ومعارضة وطائفية وقتل بالمجان ومخابرات إسرائيلية تعمل ليل نهار وعزلة وضغوط دولية وتدخلات وغيرها من المسائل التي تكفي لأن تجعل من سوريا ولبنان مشغولتين فقط بردم الحفر التي تنشأ كل يوم بدلاً من بناء طريق جديد والسير للخلف بدلاً من التقدم للأمام.

ـ اليمن ، تعيش حكومته حالة صدام مستمر مع بعض المسلحين والمنتمين إلى منظمة القاعدة. وقد وجدت القاعدة في اليمن بيئة صالحة لتغلغلها.

ناهيك عن السودان والصومال...

إن تلك الأمثلة تثبت بما لا مجال للشك فيه أننا أصبحنا مشغولين بمشكلاتنا أكثر من حلها، وبتصفية حساباتنا أكثر من الحوار، وبإضعاف قدراتنا أكثر من تقويتها لمواجهة الأزمات التي تضرب العالم. لقد كان الحديث أخيراً عن مؤتمر المصالحة العربية أشبه بنكتة قديمة ومملة. فقارئ التاريخ العربي اعتاد على مثل هذه الشعارات دون نتيجة، عندما يخرج من يعارض أو من لا يوافق أو من لا يحضر أو من لا يطبق أو من لا يهمه الأمر.

إننا لا نستوعب الدروس وبالتالي كيف نطبقها؟ وأصبحنا يائسين من أحوالنا الداخلية إلى درجة أننا لم نعد ننظر إلى الداخل بل إلى الخارج. فمثلاً، الكل منا كان مهتماً بالانتخابات الأميركية أكثر من الأميركيين أنفسهم، وبالأزمة العقارية والمصرفية في أميركا وأوروبا أكثر من أزمتنا المالية والاقتصادية. لأننا بكل بساطة لا نملك الخبرة الكافية في كيفية الاستفادة من الآخرين أو حتى من الفرص المتاحة.

لماذا يريد الغرب إشغالنا بقضايا مهلكة نحن غير سائر البشر؟ لا أحد يعرف. ولكنه يبدو أنه موروث تاريخي يعود إلى زمن غزوات الاسكندر الأكبر والحملات الصليبية وحملة نابليون والاستعمار البرتغالي والبريطاني والأسباني والإيطالي والفرنسي والألماني، خرج منها الغرب منتصراً ونحن خاسرين حتى في لحظات الاستقلال.

لم نتحدث عن جمهورية مصر العربية. لأنها تمثل تاريخاً آخر من الشد والجذب والحرب والسلام....

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com