قبل أن تنتهي المهلة القانونية المتاحة أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف، كان بنيامين نتانياهو قد نجح في عقد جملة من الصفقات تمكنه من تشكيل حكومة قوية تتمتع باستقرار كاف يمكن الاعتماد عليها لسنوات ما لم تقع اختلالات كبرى.

نتانياهو كان عليه أن يقدم لحزب العمل برئاسة باراك، مغريات حقيقية تفوق ما يستحقه الحزب الذي حصل فقط على ثلاثة عشر مقعداً في الكنيست وبما يجعل المعارضين في الحزب، للهرولة وراء زعيمه باراك الذي يحق له أن يتفاخر بما أنجزه رغم تراجع مكانة الحزب.

في الحكومة المنصرفة التي يرئسها إيهود أولمرت، حصل حزب العمل على خمس حقائب وزارية من بينها وزارة الدفاع، وكان يحظى بتسعة عشر مقعداً في الكنيست، وبالتالي أن يحصل على الحقائب ذاتها بالإضافة إلى تعيين باراك نائباً لرئيس الحكومة يعد انتصاراً كبيراً، وإغراء لا يحكم به حزب العمل أو أي حزب آخر لولا صعوبة التوازنات في الحلبة السياسية.

عملياً حصل حزب العمل على امتيازات مساوية لحزب إسرائيل بيتنا، الذي يتزعمه أفيغدور ليبرمان، وله خمسة عشر مقعداً، وهو الشريك الرئيس لنتانياهو. وبالإضافة إلى ذلك يستطيع باراك أن يتفاخر بانتصاره أمام معارضيه في حزب العمل بأنه حصل على صيغة اتفاق، تضمن له أن يكون شريكاً كاملاً في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، وبأن الفضل يعود له، في إقناع نتانياهو بإعلان التزامه بالاتفاقيات التي أبرمتها إسرائيل مع الفلسطينيين، والتزامه أيضاً بمتابعة العملية السياسية، رغم أنه لم ينجح في انتزاع موافقة نتانياهو على رؤية الدولتين.

هذه المكانة التي أحرزها حزب العمل، تجعله من يتحكم إلى حد كبير في الوجهة العامة للحكومة، وقراراتها، ذلك أن بيده المحافظة على استقرار الحكومة أو انهيارها، خصوصاً وأن نتانياهو لم يتمكن من إقناع يهودات هتوراه اليمينية من الانضمام إلى حكومته (حزب المتدينين الغربيين)؛ ولأن نجاحه في استمالة كل الكتل اليمينية كان سيكلف نتانياهو ثمناً أكبر من الثمن الذي قدمه لحزب العمل.

الآن حكومة نتانياهو تتمتع بتأييد ستة وستين مقعداً في الكنيست من أصل مائة وعشرين عضواً، مما يعفيه من الركض وراء كتل اليمين، التي كانت ستؤمن له خمسة وستين مقعداً هذا في حال وافقت جميعها على الانضمام لحكومته.

في ضوء هذا النجاح الباهر لنتانياهو، يظهر حزب كاديما الذي تتزعمه تسيبي ليفني على أنه الخاسر الأكبر، من حيث أنه لن ينجح في تشكيل معارضة قوية تهدد استقرار الحكومة، فضلاً عن أن طبيعته التجميعية قد تعرضه لاهتزازات وانشقاقات من شأنها أن تؤثر على وجوده كصاحب أكبر كتلة في الكنيست يحظى بثمانية وعشرين مقعداً.

فإذا كان من الصعب على «كاديما» أن يشكل جبهة معارضة قوية مع اليمين من خارج الحكومة، لكنه ينتمي إليها، فإنه سيكون من شبه المستحيل أن يتمكن من استمالة ممثلي الأحزاب العربية وعددهم أحد عشر، إلى جانبه بعد كل ما ارتكبته حكومة أولمرت من أعمال إجرامية بحق الفلسطينيين.

يلفت النظر ما جاء في تصريحات نتانياهو وباراك من تأكيد على أن إسرائيل تواجه تحدياً استثنائياً يتمثل بالملف النووي الإيراني، مما يقتضي أو يبرر إقامة حكومة وحدة وطنية، تعود الفلسطينيون بحسب تجربتهم الطويلة مع الاحتلال أنها ستكون خطيرة إلى أبعد الحدود.

الفلسطينيون حذرون جداً إزاء ما يعلنه نتانياهو الذي عاشوا معه تجربة مؤلمة حين كان رئيساً للحكومة بين الأعوام 1996 ـ 1999، ففي بداية عهده، وبعد أشهر قليلة من تسلمه رئاسة الوزراء، كان قد ارتكب ما يعرف بمجزرة النفق في القدس وراح ضحيتها عشرات الفلسطينيين بين شهداء وجرحى. فضلاً عن ذلك يحظى نتانياهو في أذهان الفلسطينيين بشخصية مشوشة فهو يتصف بالكذب، والمراوغة والخداع والتضليل، وبالتالي فإنه لا يتمتع بالحد الأدنى من المصداقية، وفي كثير من الأحيان تتناقض أفعاله مع أقواله.

وعملياً فإن الأسابيع الأخيرة تبين أن نتانياهو ليس صاحب التزام، ويفتقد الكاريزمية التي تميز بها الزعماء الكبار، فقبل انتخابه كان قد أعلن أنه سيكون وراء سلام اقتصادي، بينما أعلن بعد اتفاقه مع باراك، على أنه سيكون شريكاً للفلسطينيين في موضوع السلام، وأنه سيعمل على ثلاث مسارات، سياسية وأمنية واقتصادية، مما يعني أنه يواصل نمطه «الحربائي»، حيث يتلون مع تغير البيئة.

البيئة العامة تشير إلى جدية الإدارة الأميركية في متابعة العملية السياسية لتحقيق رؤية الدولتين، وأن المجتمع الدولي قد ضاق ذرعاً باستمرار الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، وبأن العرب يتحفزون لمواجهة حكومة إسرائيلية تتميز بخطورة بالغة.

وفي الداخل الإسرائيلي فإن وجود حزب العمل في الحكومة، يعزز رغبة نتانياهو في إظهار بعض الاعتدال، حتى لا يجد نفسه وحكومته في وضع معزول، خصوصاً بسبب وجود شخصية استفزازية متطرفة، مثل أفيغدرو ليبرمان على رأس الخارجية الإسرائيلية.

في مثل هذه البيئة، وعلى خلفية استبعاد تغيير جوهري في السياسة الأميركية، أو أيضاً استبعاد مواجهة من أي مستوى تؤثر سلباً على التحالف الأميركي الإسرائيلي، وفي ظل الانقسام الفلسطيني وتفكك وضعف النظام العربي، فإن من غير المتوقع أن تتغير السياسة الإسرائيلية العدوانية ضد الفلسطينيين.

وفي الواقع فإن إسرائيل بقيادة نتانياهو، مرشحة للدخول في مغامرات حربية إقليمية، ومواصلة تسريع عمليات عزل وتهويد القدس، وتوسيع الاستيطان على نحو لا يمكن معه للفلسطينيين مهما كان مستوى اعتدالهم أن يواصلوا المفاوضات، ولقد كشفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية مؤخراً عن اتفاق بين نتانياهو وليبرمان لبناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانية لإكمال فصل القدس عن رام الله.

أما في إسرائيل فإن نفحات ليبرمان العنصرية قد ظهرت أعراضها الأولى في المواجهات التي وقعت في مدينة أم الفحم مع عنصريين يهود، تحت حماية الشرطة، مما يشير إلى احتمال تزايد الممارسات العنصرية ضد الفلسطينيين في إسرائيل. المأساة الحقيقية تكمن في حقيقة أن نتانياهو ينجح خلال أسابيع قليلة في تشكيل حكومة وحدة وطنية، فيما يفشل الفلسطينيون رغم مرور أشهر كثيرة.