كَثُر الحديث في الأوساط العراقية، على مدى السنوات الماضية، عن الحاجة الماسة إلى الإصلاحات ومكافحة الفساد المستشري في جسد الدولة، وتزايدت الدعوات وارتفعت وتيرتها للمطالبة بتقويم المسيرة السياسية المتعثرة، بما يضمن إعادة الحياة المدنية، التي افتقدها العراقيون، والتي تسمح بإعادة إعمار العراق.
ولكن هذه الدعوات، على كثرتها، لم تثمر عن شيء يذكر، حتى الآن، فقد قطعت عجلة الفساد السريعة، مسافات طويلة، ولم تكن الدعوات للإصلاح، سوى محاولات غير جادة لم تخرج عن طابعها الإعلامي الدعائي الذي يوظف في الحملات الانتخابية. فهذه الإصلاحات لن تتحقق بمجرد الدعوة لذلك، ودون وجود وضوح في الرؤية، ودون وجود برنامج عمل يشخص الخلل ويحدد آليات تقويمه، ودون وجود أسس دستورية.
مسؤولية الإصلاح تقع على عاتق الجميع، ورغم أنها ليست من اختصاص السلطة التنفيذية وحدها، إلا أن لهذه السلطة دور هام في مقاربة بعضها، وذلك باعتمادها على التكنولوجيا الحديثة في مجال النظم الإدارية والمالية، لضمان النجاح في القضاء على الفساد بشكل أسرع، وذلك لأنها أداة فعالة للكشف عن المخالفات.
لا نأتي بجديد، حين نقول، بأن الفساد، في معظم أجهزة الدولة، قد وصل إلى مستويات متقدمة جداً، جعلت العراق في مقدمة البلدان التي تنعدم فيها الشفافية، وتتفشى فيها الرشاوى، ويتيسر فيها سرقة المال العام، إثر تدهور منظومة القيم، وصعود من لا يمتلك من المؤهلات إلى مراكز قيادية في مؤسسات الدولة، في ظل عملية سياسية عليها الكثير من المآخذ.
كما لا نأتي بجديد، حين نقول، بأن من يتصدر قائمة السرقات وإهدار المال العام هم أناس يشتركون في العملية السياسية من المنتمين إلى الأحزاب التي تقاسمت السلطة منذ سقوط النظام السابق، أما بالضلوع المباشر في الفساد، أو في السكوت عنه، لهذا السبب أو ذاك.
والآن، وبعد نجحت حكومة المالكي، إلى حد كبير، في تحقيق الأمن وفرض سلطة القانون، وقامت وزارة الداخلية بالتخلص من عشرات الآلاف من العناصر التابعة للمليشيات التي أسهمت الأوضاع السياسية الشاذة في العراق في المساعدة على أن دساسها في صفوفها، ولم يعد الفلتان الأمني ذريعة للتنصل من مسؤولية مواجهة الفساد، فقد آن الأوان للتخلص من هذه الآفة.
إنها مهمة ليست سهلة، فقد توطن الفساد في أجهزة الدولة، وتغلغل في النسيج الاجتماعي، بشكل بات أمر مكافحته يرقى إلى مستوى الأهداف الوطنية الكبيرة، فالعراق، لن ينهض، طالما كانت هذه الآفة تنخر في كيانه. هنالك مدخلان أساسيان لا غنى عنهما لمواجهة ذلك:
المدخل الأول:الأحزاب السياسية العاملة في العراق، ليس لها، ما ينظم عملها، سوى التقاليد التي نشأت عليها أبان فترة العمل السري، التي أجُبرت خلالها، على النزوح إلى الخارج، ولم يتعرف أعضاؤها، ناهيك عن الجماهير المؤيدة لها، بسبب سرية العمل، على قياداتها سواء داخل العراق أو خارجه.
ولم تجد هذه القيادات نفسها يوماً أمام أعضاءها في مؤتمر تُختبر فيه قدراتها وكفاءاتها، وتقدم فيه كشفاً عما أنجزته، وتتعرض للمحاسبة والمسائلة. هذه الأحزاب قد لا تلتزم بمعايير العمل الديمقراطي في حياتها الداخلية، سواء في شروط منح العضوية، أو اختيار القيادات، أو في المتابعة والرقابة، أمام منتسبيها، وأمام جمهورها.
الإصلاحات ينبغي أن تستند إلى أسس دستورية تنظم العملية السياسية بما يضمن مصلحة الشعب، ويحقق رقابة ضرورية من قبل منظماته وأفراده على هذه الأحزاب، فالعملية الديمقراطية إن لم تكن في منتهى الشفافية، فهي ليست ديمقراطية بالمرة.الأحزاب السياسية في العراق تعمل، منذ سقوط النظام السابق، دون وجود غطاء قانوني يحدد معايير وآليات العمل الذي بموجبه تحظى بالترخيص لممارسة أنشطتها السياسية. المطلوب، أن يعمد مجلس النواب العراقي إلى الإسراع بسن قانون لتنظيم عمل الأحزاب، وفق معايير عالمية معروفة في الدول التي عرفت الديمقراطية منذ قرون، قوانين تلزم هذه الأحزاب بعقد مؤتمرات دورية، وتلزمها على إجراء انتخابات ديمقراطية لقياداتها، وتلزمها كذلك.
وهو أمر هام جداً، بالكشف عن مصادرها المالية، وعلاقاتها السياسية، بمنظمات أخرى، أو دول أخرى. فالقانون، إن وضع بهذا الشكل، سيعمل، إلى حد كبير، على تصفية هذه الأحزاب من العناصر الفاسدة والانتهازية، وربما التي لا تحمل الولاء للعراق، التي تسللت إلى صفوفها، وبالتالي ستصفى مؤسسات الدولة منها كذلك.
الحياة الديمقراطية داخل الحزب تنتعش بوجود مجموعة متنوعة من الوسائل، توظف لإشراك الأعضاء في المداولات الحزبية الداخلية، وفي صياغة سياسة الحزب، ورسم أهدافه، والتخطيط لإستراتيجيته، والمساهمة في صنع قراراته.
ومن التجارب المتراكمة، لدى عدد كبير من دول العالم التي اتخذت الديمقراطية منهجاً في الحياة، هنالك ما يؤكد بأن الأحزاب التي تستخدم إجراءات ديمقراطية داخلية، على مختلف المستويات، تختار، على الأرجح، قادة أكثر تمكناً وجاذبية، وتنتهج سياسات أكثر استجابة للأحداث، وتتمتع، نتيجة لذلك، بفرص أكبر للنجاح على الصعيد الانتخابي. كما أن الأحزاب التي تمارس الديمقراطية، في حياتها الداخلية، تعزز الثقافة الديمقراطية بشكل عام، وتسهم بذلك في تعزيز الروح المدنية في المجتمع.
المدخل الثاني:التخلي عن مبدأ التوافق الذي انبثق عن نهج المحاصصة العرقية والطائفية البغيض، الذي أتت به سلطات الاحتلال الأميركي، وهو مبدأ لا ينسجم مع المنهج الديمقراطي. فقد عانى منه جميع العراقيين، على السواء، حيث استخدم لإمرار العديد من القرارات والقوانين الضارة بالعراق، والتي أصبحت الآن عائقاً أمام الإصلاح، ومنها الدستور الدائم.
واستخدم في أحيان كثيرة بمثابة مظلة للتغطية على الكثير من التجاوزات وحالات الفساد، وحماية بعض المنخرطين في العملية السياسية من المثول أمام القضاء. فقد سبق للقضاء العراقي أن تقدم، بعدد من الطلبات، في مناسبات مختلفة، لرفع الحصانة البرلمانية عن 11 نائباً، إلا أن دوافع سياسية وصفقات بين الكتل النيابية الكبيرة، وفق مبدأ التوافق، حالت دون ذلك.
كاتب عراقي