كثيرًا ما نردد بأننا في عصر السرعة.. يبدو هذا القول وكأنه يصدر منا بطريقة آلية في بعض الأحيان، إذ بمجرد أن يحدث شيء ما على نحو أسرع مما نتوقع نقول مباشرة: «إنه عصر السرعة». لكن.. هل نسير وتسير كل أمورنا على هذا القياس؟ وهل نحن أوفياء للعصر الذي نعيش فيه لدرجة تجعلنا لا نعرف كيف يكون البطء في حياتنا اليومية؟ لا أظن ذلك، فأنا أشعر في كثير من الأحيان بأننا نسير على عكس إيقاع العصر.. في أمور متنوعة ومختلفة.. أبسطها من خلال هذه السطور.
يعد موضوع تدريب الموظفين على إتقان متطلبات وظائفهم من جهة، وعلى فن التعامل مع المراجعين من جهة ثانية، من أوائل ما يلفت انتباهي في هذا الموضوع؛ فعلى الرغم مما قيل ويُقال في هذا الصدد إلا أننا لا نزال نعاني من تثاقل الخطوات نحو تحقيقه، حتى بدا لنا كحلم عزيز المنال.
لا أعرف أين الخطأ بالتحديد.. هل هو في طبيعة الموظفين أنفسهم، أو في طبيعة الدورات التي يخضعون لها، أو في طبيعة المدربين الذين يقومون بتدريبهم، أو أنهم لا يخضعون أساسًا لأي تدريب، ويقومون باكتساب الخبرات اللازمة من خلال ما يوقعونه على رؤوس المراجعين من أخطاء يكون بعضها بالغ الأثر في أحيان كثيرة!
كما أن خطواتنا لا تزال بطيئة جدًا في سعينا نحو تفعيل عادة القراءة في المجتمع. نسمع عن الكثير من المبادرات، هنا وهناك.. وكثير منها يحقق أهدافًا طيبة، لكن كثيرًا منها أيضًا يحيد عن هدفه، أو عن هدف المنظمين الأساسيين له، ويتحول في يد بعض الموظفين ممن لا يستطيعون إدراك الأهداف العميقة لبعض المشاريع والمبادرات إلى مجرد رغبة في الإعلان عن أرقام.. دون أدنى اهتمام بمصداقيتها، وبمدى تمثيلها للواقع.
ولهذا السبب ـ بالإضافة إلى أسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها ـ لا نجد القراءة قد تبوأت المكان المناسب لها، ولم تصبح إلى الآن عادة حياتية يومية يمارسها المواطن العادي في أي مكان يصطدم فيه بفراغ الوقت، كساعات الانتظار الإجباري التي نواجهها في بعض الدوائر أو المستشفيات أو العيادات أو غيرها.
يمكن سحب الحكم السابق أيضًا على حقلي التأليف والنشر، وهما يوازيان القراءة بشكل أو بآخر، إذ لا يزالان يمشيان عندنا بخطوات بطيئة جدًا، أبطأ من السلحفاة بكثير؛ فعدم وجود قراء يحكم على عملية إصدار الكتب بالتحجيم، ومهما كان سقف طموحات المؤلفين وأصحاب دور النشر إلا أن الواقع يفرض عليهم أن ينزلوا عن هذا السقف، وأن يقوموا بتأليف ونشر ما يمكن أن يجد له قراء في زمن يعج بالمغريات الإلكترونية الدقيقة التي خلبت ألباب كبار السن قبل صغارهم.
وعلى صعيد تطوير البنى التحتية من شوارع ومرافق خدمية وغيرها، نجد تفاوتًا ملحوظًا بين منطقة ومنطقة، أو بين إمارة وأخرى، ففي بعض الإمارات تنطلق مثل هذه العمليات الإصلاحية بسرعة الصاروخ، وتُنجَز في أزمان قياسية، تجعلنا نردد بيقين أننا في عصر السرعة.
لكننا ما أن نيمم شطر منطقة أخرى، أو إمارة أخرى، إلا ونُوَاجَه ببطء في هذه العمليات، يجعلها أقرب إلى منام أهل الكهف الذين لم يدركوا طول الوقت الذي قضوه وهم نيام، إلا بعد أن أفاقوا وأُخبروا به.
ففي حين تختفي شوارع وجسور، وتقوم شوارع أخرى بديلة وجسور وأنفاق جديدة في بعض المناطق، نجد في المقابل شارعًا واحدًا لا يزال يعاني ثقل المعدات وآلاف الحفر والردم على مدى سنوات طويلة، دون أن نعرف نتيجتها، ونخاف أن يسرقنا الزمن قبل أن نعرف الشكل الذي سيستقر عليه هذا الشارع وأمثاله بعد انتهاء هذه العمليات المفروضة عليه.
أما على الصعيد الطبي، فلا نزال نعاني من افتراق المسارين، مسار الكادر الطبي ومسار الجهاز الطبي؛ فبحسب ما أراه، يبدو أن الثاني منهما يمثل العصر الذي نعيشه، عصر السرعة والتقنية وما ينتج عن تضافر هاتين الميزتين من دقة وسهولة في التشخيص والعلاج، بشرط توافر المهارة في استخدام هذه الأجهزة التي وُجدت لتخدمنا لا لنخدمها.
أما فيما يتعلق بالأول منهما، فأرى أننا لم نتمكن حتى الآن من تأهيل كادر طبي تتوافر فيه صفات الأطباء الذين يذهب إليهم مواطنونا سواء في شرق الكرة الأرضية أو غربها، لثقتهم بأنهم يمتلكون ما لا يمتلكه نظراؤهم الموجودون بين ظهرانينا.
لا يعني هذا أن المهارة منعدمة تماما عند أطبائنا وطبيباتنا، وممرضينا وممرضاتنا، لكن المشكلة أن الفئة التي تبرز لجمهور المترددين على المستشفيات والمراكز الطبية والعيادات –ربما بسبب الكثرة- هي الفئة التي لا تعرف أكثر من قشور الطب، تاركة الباب لغيرها ممن يعد العثور عليهم كنزًا يستحيل التفريط فيه.
ومن نافلة القول إن الطب والصحة من أكثر المجالات حيوية وأكثرها استحقاقًا لأن يجاري المتخصصون فيه العصر بسرعته ودقته وتطوره اللحظي، ولا يجب أن نستسلم فيه لبطء الخطوات مهما كانت الأسباب.
وأخيرًا، أظن أننا لا نزال نخطو خطوات بطيئة نحو العصر الرقمي، على الرغم من الجهود الحثيثة (المتفرقة) المبذولة هنا وهناك بين شرق العالم العربي وغربه، إلا أن الجهود المتفرقة لا تقدم إنتاجًا حقيقيًا جديرًا بأن يمثل رغبات وطموحات شعوب تمتد من المحيط إلى الخليج.
إننا لم نتمكن حتى الآن من توفير محتوى إلكتروني عربي، بنسبة توازي عدد المتحدثين باللغة العربية، وذلك لأن خطواتنا لا تزال مترددة خجلى، لا تعرف حتى الآن أي وجهة تيمم في حقل سبقنا إليه الآخر بمراحل طويلة، مثله مثل حقول أخرى سابقة، لكن المشكلة هنا هي أن كثيرًا من العاملين في هذا الحقل لا يقرون ولا يعترفون بأنهم في ذيل القافلة، وأنهم يحتاجون إلى خطوات أسرع بكثير من خطواتهم الحالية كي يصلوا إليهم فقط، ثم يحتاجون إلى خطوات بسرعة الضوء كي يتجاوزوهم.. لكن بعد أن يقروا أولا بعظم المسافة بين طرفي هذه القافلة.
جامعة الإمارات